الإمام الحسن العسكري - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ١٧٧
صبره . فلما سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ، ومنع فيها الناس من الدخول عليه ، وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته : إلهي أتفجع خير خلقك بولده ، إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه ، إلهي أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة ، إلهي أتحل كربة هذه الفجيعة بساحتهما ؟ ثم كان يقول : اللهم ارزقني ولداً تقرُّ به عيني على الكبر ، وأجعله وارثاً وصياً ، واجعل محله مني محل الحسين ، فإذا رزقتنيه فافتِنِّي بحبه ، ثم فجعني به كما تفجع محمداً حبيبك بولده ! فرزقه الله يحيى وفجعه به ، وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين ( ٧ ) كذلك ، وله قصة طويلة .
قلت : فأخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم ؟ قال : مصلح أومفسد ؟ قلت : مصلح ، قال : فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد مايخطر ببال غيره من صلاح أوفساد ؟ قلت : بلى ، قال : فهي العلة ، وأوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك : أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله تعالى وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالوحي والعصمة ، إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم ، مثل موسى وعيسى ( ٨ ) ، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا هَمَّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق ، وهما يظنان أنه مؤمن ؟ قلت : لا ، فقال : هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه ، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات