هداية الناسكين - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٧ - الحركة العلمية في عصره
داره. وإن كان تسليح النجف قد اُسيء استعماله بعد ذلك بوقوع الفتن بينهم لاسيّما فتنة «الشمرت والزكرت» المعروفة التي امتدّت زمناً طويلاً مدّة قرن تقريباً، ولا تزال آثارها باقية في التحزّبات النجفيّة إلى اليوم وإن بدأت تتضاءل على مرّ الزمن.
الثاني: بناية سورها الأخير والخندق حوله الذي أنفق عليه مبالغ خيالية طائلة في ذلك العصر الصدر الأعظم نظام الدولة جدّ اُسرة آل نظام النجفيّة. ويومئذ كان وزيراً لفتح علي شاه، وقد تمّ بناؤه سنة (١٢٢٦ هـ) أي قبل وفاة الشيخ كاشف الغطاء بسنتين، فصارت النجف بسببه قلعة حصينة لاتستطيع أيّة قوّة في ذلك العصر أن تقتحمها، وبسببه استطاعت أن تقاوم الجيوش البريطانيّة أكثر من شهر في حصار النجف المعروف سنة (١٣٣٦ هـ).
وإذ اطمأنّت النجف على سلامتها من عادية الوهّابيّين من جهة وعادية الحكومة العثمانية من جهة اُخرى ـ لاسيما بعد وساطتها وتأثيرها لدى الحكومة الإيرانيّة كما سبق، ورعاية الحكومة الإيرانية لها ـ ابتدأت حياة الاستقرار والاطمئنان فيها تزدهر عند سكّانها والمهاجرين إليها، ونشطت فيها أيضاً ـ تبعاً لذلك ـ الحياة الاقتصادية، ونشط العمل لجلب المياه من الفرات إليها بشتّى الوسائل.
إنّ كلّ تلكمُ الأسباب اجتمعت في عصر صاحب الجواهر بالذات أكثر من كلّ عهد مضى، فزادت الهجرة إليها من أهل العلم زيادة ملحوظة، وانصرف أهل العلم إلى التحصيل والجدّ والدرس والتدريس والتأليف. فلذلك كان نشاط الحركة العلمية في ذلك العهد في القمّة.