شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٨ - الشرح
بقوله: فان الله اذا اراد بعبد خيرا طيب روحه، الى انه تعالى اذا اراد فى الازل بعبد خيرا اى خيرا حقيقيا و سعادة اخروية و هى الحكمة الالهية لقوله: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً[١]، جعل روحه طيبا شريفا علويا نورانيا، فيكفيه الارتقاء الى درجة العليا ادنى الاسباب. فلا يسمع معروفا الا عرفه و لا منكرا الا انكره، اى علم المعروف معروفا فصنعه و علم المنكر منكرا فاجتنبه.
و قوله: ثم يقذف الله فى قلبه كلمة يجمع بها امره، اشارة الى كمال النفس الانسانية بحسب القوة النظرية التى هى افضل اجزاء النفس و يعبر عن ذلك الكمال تارة بالكلمة الجامعة كما فى قوله ٦: اوتيت جوامع الكلم، و تارة بنور الايمان الّذي يقذفه الله فى قلب المؤمن و تارة بالعقل بالفعل و العقل البسيط كما فى اصطلاح اهل الحكمة و تارة بغير ذلك من الاسامى و العبارات.
فالمراد بالقلب هاهنا القلب المعنوى من الانسان و هى اللطيفة الملكوتية القابلة لنور العلم و العرفان و هى فى اوّل الفطرة ساذجة عن صور المعلومات كلها مسماة عند الحكماء بالعقل الهيولانى، و اذا حصلت فيها اوائل المعلومات و استعدت لاكتساب الثوانى و النظريات يسمى بالعقل بالملكة، و اذا تكررت فيها ملاحظة المعلومات و كثرت فيها الانتقالات الفكرية او الحدسية من بعضها الى بعض يستعدلان يفيض عليها من الله تعالى نور عقلى به يرى الاشياء كما هى و به يستحضر المعقولات التى اكتسبتها متى شاءت من غير تكلف سعى و تجشم كسب جديد.
و ذلك النور هو المسمى بالاسامى التى ذكرناها و هو المراد بقوله: كلمة يجمع بها امره، اى يستحضر بها صور معلوماته، بل تلك الكلمة العقلية فى ذاتها جامعة لجميع معلوماته على وجه اعلى و اشرف من صور تلك التفاصيل التى هى العلوم النفسانية و هى مبدأها و غايتها، و ليس لاختيار العبد و اكتسابه مدخل فى حصول تلك الكلمة الجامعة و القوة النورانية، بل هى موهبة ربانية كامنة أولا بالقوة فى غرائز بعض النفوس بحسب ما قضى الله فى الازل ثم يستخرجها من مكمن القوة و البطون الى مجلى
[١]. البقرة/ ٢٦٩.