شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٥ - الشرح
القلم الّذي به انكتبت[١] فى لوح القلب فيشبه ان تكون اهلا لذلك.
فقال السائل: لقد فتحت بصرى و حدّقته فوالله ما ارى قصبا و لا خشبا و لا اعلم قلما الا كذلك.
فقال العلم: لقد ابعدت النجعة، أ ما سمعت ان متاع البيت يشبه رب البيت؟ أ ما علمت ان الله تعالى ذاته لا يشبه سائر الذوات؟ فكذلك لا يشبه يده الا يدى و لا قلمه الاقلام و لا كلامه سائر الكلام و لا خطه سائر الخطوط؟ و هذه امور إلهية من عالم الملكوت فليس الله تعالى فى ذاته بجسم و لا فى مكان بخلاف غيره، و لا يده لحم و عظم و دم بخلاف الايدى و لا قلمه من قصب و لا لوحه من خشب و لا كلامه بحرف و صوت و لا خطه برقم و رسم، فان كنت لا تشاهد هذا هكذا فما اراك الا مخنثا بين فحولة التنزيه و انوثة التشبيه مذبذبان هذا و ذاك، لا الى هؤلاء و لا الى هؤلاء، فكيف نزهته ذاته و صفاته و كلامه و اخذت تتوقف فى يده و قلمه و لوحه و خطه؟
فكن منزها صرفا و مقدسا فحلا فلعلك تجد على النار هدى و لعلك من سرادقات العزة تنادى كما نودى موسى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ[٢].
فلما سمع السالك من العلم ذلك استشعر قصور نفسه و انه مخنث فى[٣] التشبيه و التنزيه، فاشتعل قلبه نارا من حدّة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص، و لقد كان زيته فى مشكاة قلبه يكاد يضيء و لو لم تمسسه نار.
فلما نفخ فيه العلم بحدّته اشتعل زيته فاصبح نورا على نور فقال له العلم: اغتنم الآن الفرصة و افتح بصرك فلعلك تجد على هذه النار هدى، ففتح بصره فانكشف له القلم الالهى فاذا هو كما وصفه العلم فى التنزيه، و هو يكتب على الدوام فى قلوب البشر كلهم اصناف العلوم و كان له فى كل قلب رأسا و لا رأس له.
فقضى منه العجب و قال: نعم الرفيق العلم، جزاه الله عنى خيرا، اذا لان ظهر لى صدق انبائه عن اوصاف القلم فانى اراه الآن قلما لا كالاقلام.
فعند هذا ودع العلم و شكره فقال: لقد طال مقامى عندك و انا عازم على السفر
[١]. اكتب« الاحياء».
[٢]. طه/ ١٢.
[٣]. بين« الاحياء».