شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٢ - الشرح
و بإزاء هؤلاء جماعة اخرى ذهبت الى انّ لا مؤثر فى الوجود الا الله المتعالى عن الشريك فى الخلق و الايجاد فيفعل ما يشاء و يحكم ما يريد لا علة لفعله و لا راد لقضائه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ[١]، قالوا لا مجال للعقل فى تحسين الافعال و تقبيحها بالنسبة إليه بل يحسن صدور كلّها، و اما المسماة بالاسباب فليست اسبابا على الحقيقة و انّما ارتبط بها بحسب الظاهر وجود الاشياء و لا مدخل اما فى سببية وجودها، لكنّه تعالى اجرى عادته بان يوجد الاشياء عقيب تلك الاسباب فكل، من الاسباب و المسببات صادرة منه ابتداء، قالوا فى ذلك تعظيم لقدرة اللّه و تقديس له عن شوائب النقصان و الحاجة فى التأثير الى شيء اخر، فهذان الفريقان واقعان فى طرفى التضاد، احدهما يسمّى بالقدري و الاخر بالجبرى و كلاهما اعور دجّال.
و ذهب آخرون الى ان الاشياء فى قبول الوجود متفاوتة فبعض منها لا يقبل الوجود الا بعد وجود شيء اخر كالعرض، فانه الّذي لا يقبل الوجود الّا بعد وجود الجوهر و كالمركّب لا يقبل الوجود الّا بعد وجود جزئه، فقدرته سبحانه تامة كاملة فى غاية الكمال يفيض الوجود منه تعالى على الممكنات كلّها بحسب قابليّتها المتفاوتة، فبعضها صادرة منه بلا واسطة و بعضها بواسطة او وسائط، فمثل ذلك لا يدخل فى الوجود الّا بعد سبق امور اخرى لا لنقصان فى القدرة بل لنقصان فى القابلية. و كيف يتوهم النقصان و الاحتياج فى القدرة مع انّ سبب المتوسّط أيضا صادر عنها، فالله سبحانه غير محتاج فى ايجاد شيء الى ما ليس بصادر عنه.
و قالوا لا ريب فى وجود موجود على اكمل وجه فى الخير و الوجود و لا فى انّ صدور الممكنات عنه يجب ان يكون على ابلغ النظام، فالصادر عنه اما خير محض كالملائكة العلوية و من ضاهاها من العقول الانسانيّة و اما ما يكون الخير فيه غالبا على الشر فيكون الخيرات داخلة فى قدرة الله تعالى بالاصالة و الشّرور اللازمة للخيرات داخلة فيها بالتبع كما سبق ذكره.
و من ثم قيل: ان الله يقضى الكفر و المعاصى الصادرة عن العباد لكن لا يرضى
[١]. الأنبياء/ ٢٣.