شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٤٥ - الشرح
إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ[١]- الا من سبقت لهم العناية فى البداية كالعقول المفارقة فى اوّل نشأتهم و الكلمات التامات الالهية- ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى[٢]- بالتجلى الالهى- فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ[٣]. الى ربهم و يغيبون عن ذواتهم فانين عنها و عن كل شيء راجعين صائرين إليه تعالى باقين ببقائه.
المطلب الثانى: ان الّذي عبر عنه بانه وجه الله باق ابدا غير قابل للفناء: و ذلك لان عالم الامر كله خير برئ من الشر و العدم و التغير و الزوال، لان شيئا من هذه الامور لا يتحقق الا فى ناحية عالم الخلق، اذ وجود ذلك العالم لا يتعلق الا بذاته تعالى لا بشيء اخر من مادة او حركة او زمان او استعداد او زوال مانع او حدوث شرط، و كلما هو كذلك فليس بقابل للعدم و الزوال، اذ كل ما جاز عدمه بعد ان وجد فذلك بسبب عدم شيء من اسباب وجوده[٤] و اجزاء علته التّامة، ضرورة ان العلة التامة للشىء ما دامت باقية يمتنع عدمه لاستحالة انفكاك المعلول عن علته التامة.
فاذن لو فرض عدم المفارق العقلى فذلك يستلزم عدم شيء من اسباب وجوده و هى الفاعل و الغاية و المادة و الصورة، لكنه لا مادة له لتجرده عن المحل و الموضوع و لا صورة له لبساطته و عدم تركبه الخارجى، بل ذاته نفس الصورة المجردة عن المواد، و اما فاعله: فهو ذات واجب الوجود و كذا علته التمامية ذاته تعالى. فاذن لا سبب له الا فاعله و غايته و هما شيء واحد ممتنع العدم بالذات، فهو واجب البقاء ببقائه تعالى- لا بابقائه- اذ ليس فيه امكان العدم.
فان قلت: أ ليس كل ما غير ذاته تعالى فهو ممكن و كل ممكن جائز العدم؟
قلت: امكان المفارقات امكان فرضى غير ثابت لها فى الواقع، اذ ليست لها ماهية يعرضها الوجود او يسبق امكانها فى الخارج على وجودها كما فى الطبائع المادية و الاكوان الزمانية، ثم ان نفس الامر كما علمت ثابت لا يتغير و ليس ذلك الا عالم الامر و عالم القول الحق و الكلمة الصدق لقوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ[٥]، و قوله: وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ[٦]، و قوله: لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ[٧]، و قوله: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ
[١]. الزمر/ ٦٨.
[٢]. الزمر/ ٦٨.
[٣]. الزمر/ ٦٨.
[٤]. او- م- د.
[٥]. ق/ ٢٩.
[٦]. ق/ ٤.
[٧]. يونس/ ٦٤.