شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٩٧ - الشرح
اذ من ضرورة كونه إله العالم ان يكون موجودا فى نفسه، فان ما لم يكن موجودا فى نفسه استحال ان يصدر عنه اثر موجود، فهذا الحكم اللاحق هو كمال معرفته و تصوره.
و اما المرتبة الثانية و هى قوله: و كمال التصديق به توحيد. فبيانها: ان من صدق بوجوده الواجب ثم جهل، مع ذلك كونه واحدا كان تصديقه به تصديقا ناقصا، تمامه توحيده، اذ كانت الوحدة المطلقة لازمة لوجوده الواجب، فذاته بذاته كما يقتضي وجوده يقتضي توحيده كما قال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ[١]، تنبيها[٢] على ان ذاته شاهدة على وحدانيته، فان طبيعة واجب الوجود لو فرضت انها مشتركة بين اثنين فلا بد لكل واحد منهما من مميز وراء ما به الاشتراك، فيلزم التركيب فى ذاتيهما، و كل مركب ممكن الوجود فيلزم الجهل بكونه واجب الوجود و ان تصور معناه و حكم بوجوده.
و اما الثالثة و هى قوله ٧: و كمال توحيده الاخلاص له. ففيها اشارة الى ان التوحيد المطلق للعارف انما يتم بالاخلاص له، و هو الزهد الحقيقى الّذي هو تنحية كل ما سوى الحق الاول عن سنن[٣] الايثار و بيان ذلك:
انه ثبت فى علم السلوك ان العارف ما دام يلتفت مع ملاحظة جلال الله و عظمته الى شيء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول جاعل مع الله غيرا، حتى ان اهل الاخلاص ليعدون ذلك شركا خفيا كما قال بعضهم:
|
من كان فى قلبه مثقال خردلة |
سوى جلالك فاعلم انه مرض |
|
و انهم ليعتبرون فى تحقق الاخلاص ان يغيب العارف عن نفسه حال ملاحظته لجلال الله، و ان لحظها فمن حيث هى لاحظة لا من حيث هى مزيّنة بزينة الحق، فاذن التوحيد المطلق ان لا يعتبر معه غيره مطلقا، و ذلك هو المراد بقوله: و كمال توحيده الاخلاص له.
قال صاحب كتاب الاشارات فى مقامات العارفين: العارف يريد الحق الاول لا شيء غيره و لا يؤثر شيئا على عرفانه و تعبده له فقط لانه[٤] مستحق للعبادة و لانها نسبة شريفة[٥]
[١]. آل عمران/ ١٨.
[٢]. تبينها- م- ط.
[٣]. متن« الاشارات».
[٤]. و لانه« الاشارات».
[٥]. شريفة إليه« الاشارات».