شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٨ - الشرح
سائر اللذّات العاجلة الفانية، و بالاخرى تحرص على تناول العلوم الحقيقية و الخصال الحميدة المؤدّية الى السعادات الباقية الابدية، و الى مسلك هاتين القوتين اشار سبحانه بقوله: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[١]، فان جعلت القوّة الحيوانيّة منقادة للقوة العقلية فقد فزت فوزا عظيما و اهتديت صراطا مستقيما، و ان سلطت الحيوانية على العقل و جعلته منقادا لها ساعيا فى استنباط الحيل المؤدية الى مراداتها هلكت يقينا و خسرت خسرانا مبينا.
و توضيح ذلك و كشفه عليك بان تعلم ان الله خلقك على مثاله و جعل ما تتصرف فيه اعنى البدن بما فيه من القوى عالما صغيرا يضاهى العالم الكبير، و ما من شيء فى العالم الا و منه انموذج فى عالمك الصغير و مملكتك، لكن الغالب و العمدة فيك مبادى أربعة: اوصاف الملكية و السبعية و البهيمية و الشيطانية:
فمن حيث الملكية تتعاطى افعال الملكية من العلم و الطهارة و الطاعة و التقرب إليه تعالى، و من حيث القوة الغضبية تتعاطى افعال السباع من العداوة و البغضاء و التهجم على الناس بالضرب و الشتم و حب الرئاسة و التغالب، و من حيث القوة الشهوية تتعاطى افعال البهائم من الشره و الشبق و الحرص، و من حيث القوة الشيطانية تتعاطى افعال الشياطين فتستنبط وجوه الشر بالمكر و الحيلة و الجربزة و تتوصل بها الى اغراض النفس و الهوى.
فكأن المجتمع فيك و فى اهابك ايها الانسان ملك و شيطان و كلب و خنزير:
فالكلب هو الغضب و الخنزير هو الشهوة و الوهم مثال الشيطان.
فان الاشتغال بجهاد هذه الثلاثة و دفع كيد الشيطان و مكره بنور البصيرة العقلية و بكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه تارة، اذ بالغضب تنكسر الشهوة و اذللت الكلب بتسليط الخنزير عليه اخرى و جعلت الكل مقهورين تحت سياسة العقل، اعتدل الامر و ظهر العدل فى مملكة البدن و جرى الكل على الصراط المستقيم، و ان لم تجاهدهم فقهروك و خذلوك و استخدموك، فلا يزال تكون فى استنباط الحيل و
[١]. البلد/ ١٠.