شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٢ - الشرح
ثم هذا المرض الّذي عرض لذواتهم و الحالة المنافية التى قامت بهم لو لا ان وجدوا من ذواتهم قبولا لعروضهما لهم و اذنا فى لحوقهما بهم لم يكونا يعرضان لهم و لا يلحقان بهم، فاذن كان مما يقتضيه ذواتهم ان يلحقهم امور منافية مضادة لجواهرهم، فاذا لحقتهم تلك الامور اجتمعت فيهم[١] جهتان: فكانت ملائمة منافية، اما كونها ملائمة:
فلان ذواتهم اقتضتها، و اما كونها منافية: اذا فرضنا انها قد اقتضت ان يعرض لهم امور منافية لهم، فلو لم تكن منافية لهم لم يكن ما فرضناه مقتضى لها بل امر اخر، هذا خلف. فالشيء عند عروض مثل هذا المنافى متلذ[٢] متألم سعيد شقى. ملتذ و لكن لذته ألمه، سعيد و لكن سعادته شقاوته، و هذا عجيب جدا و لكن اوضحناه ذلك أيضا حالم يبق معه عجب ان شاء الله:
فمهما سمعت الله عز و جل يذكر هؤلاء بالبعد و الشقاوة، فهم اشقياء مبعدون لا شك فى ذلك، فن العذاب مطبق[٣] عليهم من فوقهم و من تحت ارجلهم.
و مهما سمعته عز و جل ينبئ عن خلقه كله بالحسن و البهاء و يذكر نفسه بالرحمة التى وسعت كل شيء، فاعلم انه بالنظر الى تلك الجهة الدقيقة التى نبهناك عليها: ان ذواتهم لو لم يستدع عروض العذاب الدائم لم يكن يفعل بهم ذلك، فان الله عز و جل لا يولى احدا الا ما تولاه عدلا منه و رحمة، و ان الله خلق الخلق كله فى ظلمة ثم قال لهم: ليختر كل منكم لنفسه صورة اخلقه عليها و هو قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ[٤].
فمنهم من قال: اخلقنى خلقا حسنا احسن ما يكون حتى لا يكون مثلى احد فى الحسن و الجمال و هم المؤمنون، و منهم من قال: اخلقنى خلقا قبيحا ابعد ما يكون من التناسب و اوغله فى التنافر حتى لا يكون مثلى فى القبح و البعد عن الاعتدال احد، و كل منهما احب لنفسه التفرد فان حب الفردانية فطرة الله السارية فى كل الامم التى تقوم بها وجود كل شيء، فخلق الله كلا على ما اختاره لنفسه.
يا حبيبى! فتحت كل نكره معرفة و قبل كل لعنة رحمة و هى الرحمة التى وسعت كل
[١]. فيها- م- د.
[٢]. ملتذ- د- ط.
[٣]. محيط- النسخة البدل.
[٤]. الاعراف/ ١١.