شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٦ - إضاءة عرشية و انارة مشرقية
حبس الظلمات و نقلها من حدود البهيمية و السبعية الى حدود الانسانية و الملكية و تطهيرها و تهذيبها بنور العلم و قوة العمل عن درن الكفر و المعصية و رجس الجهل و الظلمة، و لا ينافى عموم التكليف عدم تأثيره فى النفوس الجاسية و القلوب القاسية، كما ان الغاية فى انزال المطر اخرج الحبوب و انبات الثمار و الاقوات منها و عدم تأثيره فى الصخور القاسية و الاراضى الخبيثة لا ينافى عموم النزول، و الله اجل من ان يعود إليه فائدة فى هداية الخلائق كما فى اعطائها اصل الوجود، بل هو الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[١]، من غير غرض او عوض فى فضله و جوده.
و اما الشبهة الثالثة و هى السؤال عن فائدة تكليف ابليس بالسجود لآدم و الحكمة فيه. فالجواب عنها أولا: انه ينبغى ان يعلم ان لله فى كل ما يفعله او يأمره حكمة بل حكم كثيرة، لانه تعالى منزه عن فعل العبث و الاتفاق و الجزاف، و ان خفى علينا وجه الحكمة فى كثير من الامور على التفصيل بعد ان علمنا القانون الكلى فى ذلك على الاجمال، و خفاء الشيء علينا لا يوجب انتفائه، و هذا يصلح للجواب عن مثل هذه الشبهة و نظائرها.
و ثانيها ان التكليف بالسجدة كان عاما للملائكة و كان ابليس معهم فى ذلك الوقت، فعمه الامر بها تبعا و بالقصد الثانى لكنه لما تمرد و عصى و استكبر و ابى بعد ما اعتقد فى نفسه انه من المأمورين صار مطرودا ملعونا.
و ثالثا بان الاوامر الإلهية و التكاليف الشرعية مما يمتحن به جواهر النفوس و يعلن ما فى بواطنهم و يبرز ما فى مكامن صدورهم من الخير و الشر و السعادة و الشقاوة، فيتم به الحجة و يظهر المحجة لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ[٢].
و اما الشبهة الرابعة و هى السؤال عن لمية تعذيب الكفار و المنافقين و ايلامهم بالعقوبة و تبعيدهم عن دار الرحمة و الكرامة. فالجواب عنها: ان العقوبات الاخروية من الله ليس باعثها الغضب و الانتقام او[٣] ازالة الغيظ و نحوها، تعالى عن ذلك علوا كبيرا و انما هى لوازم و تبعات ساق إليها اسباب داخلية نفسانية و احوال باطنية انتهت
[١]. طه/ ٥٠.
[٢]. الانفال/ ٤٢.
[٣]. و- النسخة البدل.