شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٩١ - الفصل السادس فى تصحيح القول بالبداء حسبما نقل من ائمة الهدى
العلم به لشيء من النفوس العلوية و السفلية و الملكية و البشرية الا من جهة الله تعالى المختصة به، لانه مما استأثره الله بذاته، لانه ليس فى الاسباب الطبيعية ما يوجبه و لا فى الصور الادراكية العلوية و النقوش القدرية ما تبدر به من قبل. و سيأتى فى احاديث هذا الباب ان لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه الا الله ... الحديث كما ستقف على شرحه ان شاء الله.
و حاصل ما ذكرنا: ان كل ما يقع فى هذا العالم من الحوادث يكون على ضربين:
منها ما يكون وقوعها باسباب طبيعية قابلية مطابقة لاسباب علوية و هيئات ملكوتية فاعلية متكررة الوقوع و كذلك مقتضياتها. و منها ما يكون وقوعها على سبيل الندرة، و مثل هذا القسم قد يبتدئ سببه من هذا العالم كدعاء داع يؤثر دعائه و يسمع لطبقة من الملكوت الاعلى لا يستحيل و لا يمتنع عليها التأثر و الانفعال، لانها نفوس متعلقة بمواد الافلاك عالمة بما وقع او سيقع فى هذا العالم من الحوادث، سواء كانت من الصور الجسمانية او من الهيئات النفسانية لهذه النفوس المعلولة لها، و هى أيضا مؤثرة فى هذا العالم ضربا من التأثير بتحريك او تسخين و ان لم يكن افاضة لصورة و إنشاء لجوهر، لان ذلك شأن المفارق بالكلية عن عالم الاجسام، من العقول الصريحة التى لا تكون الّا فعالة غير منفعلة مؤثرة غير متأثرة، و هذه مؤثرة من وجه متأثرة من وجه.
فلسبب ما ذكرناه ينتفع بالدعوات و القرابين خصوصا فيما يعم نفعه، كما فى امر الاستسقاء و فى امور اخرى نادرة الوقوع كاهلاك قوم فجرت بغرق او خسف او زلزلة، و اكثر معجزات الأنبياء : من هذا الباب، اعنى مما يبتدئ سبب وقوعها من هذا العالم الى عالم النفوس الكلية المؤثرة فيما تحتها بعد ان تتأثر من دعاء الداعين و نحوه، و لهذا ما يجب ان يخالف المكافاة على الشر و يتوقع المكافاة على الخير.
فالبداء أيضا من هذا القبيل و هو سنوح امر لم يكن متوقعا لعدم تقدم اسبابه الارضية و السماوية و لا الاطلاع عليها من النفوس العالية و السافلة الا عند قرب وقوعه، و قد علمت ان هذا غير مستحيل على طبقة من الملكوتيين ليست من العليين بل متوسطة بين العالمين: عالم العقول المحضة و صورها القضائية و بين عالم الاجسام الطبيعية و صورها الكونية المادية، و مع ذلك ليس الجميع خارجا عن قانون القضاء