شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٢١ - الشرح
بالوحى و المعجزات صلوات الله على سيد المرسلين و عليهم اجمعين.
و الى ما ذكرنا اشار بقوله: و قطع عذرهم بالحجج، و الحاصل انه لما فطر عباده فطرة منفصلة من البهائم و الانعام و كرمهم بكرامة النطق و فضيلة النفس على سائر النفوس و الطبائع للاجسام اقدرهم على طاعته بما جعل فيهم و اكمل به لهم من الآلات و القوى و سائر الامور و الاسباب المتوقف عليه العبادة و الطاعة، فكلفهم بطاعته و اوجب عليهم عبادته و الا فيكون خلقهم عبثا و تعطلا و هو محال عليه تعالى كما قال: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ[١].
و قوله: فعن بينة هلك من هلك و بمنه نجا من نجا، مقتبس من قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ[٢]، و معنى الآية اشارة الى ان الله سبحانه نصب لعباده الحجج و البينات و اكمل لهم القوى و الآلات و اقدرهم على فعل الحسنات و ترك السيئات، ثم كلفهم و امرهم بالطاعات و الخيرات و زجرهم و نهاهم عن الشرور و المنهيات و بين لهم طريقى الخير و الشر، و اوضح لهم سبيلى النفع و الضر و النعمة و النقمة و السعادة و الشقاوة و النجاة و العقوبة، ليموت من يموت عن بينة عاينها و يعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يبق لاحد معذرة و لا يكون له حجة.
و لا يبعد ان يكون المراد من الهلاك و الحياة و الكفر و الايمان اطلاقا للمسبب على سببه اذا الكفر و العناد سبب الهلاك الابدى و الايمان و الانقياد سبب الحياة السرمدية، يعنى ليصدر كفر من كفر و ايمان من آمن عن وضوح بينة، و المراد بمن هلك و من حي المشارف للهلاك و الحياة او من هذا حاله فى علم الله و قضائه. و الآية تدل على انه تعالى اراد من الفريقين جميعا العلم و المعرفة و الخير و الصلاح و ذلك يبطل مذهب المخالفين من الاشاعرة انه تعالى اراد الكفر من الكافر، و الحق ان الخير و الايمان و الطاعة واقعة فى قضاء الله و ارادته بالذات و الشر و الكفر و المعصية واقعة فيه بالعرض و سيأتى إيضاح هذه المطلب فى باب الخير و الشر بما لا
[١]. المؤمنون/ ١١٥.
[٢]. الانفال/ ٤٢.