المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٩٨ - التعليق
ذلك أعنى سماع الغناء و سماع آلات الملاهى كلها و كل منها محرم بانفراده قد حكى أبو بكر الآجرى و غيره إجماع العلماء على ذلك و المراد بالغناء المحرم ما كان من الشعر الرقيق الّذي فيه تشبيب بالنساء و نحوه مما توصف فيه محاسن من تهيج الطباع بسماع وصف محاسنه فهذا هو الغناء المنهى عنه و بذلك فسره الإمام أحمد و إسحاق ابن راهويه و غيرهما من الأئمة.
فهذا الشعر إذا لحن و أخرج بتلحينه على وجه يزعج القلوب و يخرجها عن الاعتدال و يحرك الهوى الكامن المجبول فى طباع البشر فهو الغناء المنهى عنه فإن أنشد هذا الشعر على غير وجه التلحين فإن كان محركا للهوى بنفسه فهو محرم أيضا لتحريكه الهوى و إن لم يسم غناء فأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك فإنه ليس بمحرم و إن سمى غناء، و على هذا حمل الإمام أحمد حديث عائشة رضى اللّه عنها فى الرخصة فى غناء نساء الأنصار و قال: هو غناء الركبان أتيناكم أتيناكم يشير إلى أنه ليس فيه ما يهيج الطباع إلى الهوى و يشهد لذلك حديث عائشة أن الجاريتين اللتين كانتا تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث[١] و على مثله يحمل كل حديث ورد فى الرخصة فى الغناء كحديث الحبشية التى نذرت أن تضرب بالدف فى مقدم النبي صلى اللّه عليه و سلم[٢] و ما أشبهه من الأحاديث.
و يدل عليه أيضا ما فى صحيح البخارى عن الربيع بنت معوذ قالت: دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم غداة بنى بى فجلس على فراشى و جويريات لنا يضرب بالدف و يندبن من قتل من آبائى يوم بدر إلى أن قالت جارية منهن:
و فينا نبى يعلم ما فى غد، فقال لها: أمسكى عن هذه و قولى التى كنت تقولين قبلها[٣]. و فى مسند الإمام أحمد و سنن ابن ماجة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لعائشة: «أهديتم الجارية إلى بيتها» قالت: نعم قال: «فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول: أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم فإن الأنصار قوم فيهم غزل»[٤]. و على مثل ذلك أيضا حمل طوائف من العلماء قول من رخص فى
[١] - تقدم تخريجهما ص: ٢٩١.
[٢] - رواه أحمد ٥/ ٣٥٣ و الترمذي ٥/ ٦٢١.
[٣] - رواه أحمد ٦/ ٣٥٩ و البخارى ٩/ ٢٠٢.
[٤] - سبق تخريجه ص: ٢٩١.