المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٥٨ - التعليق
قلت: و لا يحسن بالمسلم أن يؤمل العفو من رب العزة و الجلال و هو غارق فى المعاصى و الذنوب مجترئ على اللّه تعالى بفعل ما نهى عنه و ترك ما أمر به، فالواجب على المسلم أن يكون بين الخوف و الرجاء، فخوفه من اللّه يمنعه من معصيته و رجاؤه من اللّه يورث الطمأنينة فى قلبه، و رجاء المسلم لا بد أن يكون مبنيا على أساس صحيح و واضح فلا يمكن أن يصح الرجاء ممن أعرض عن سبيل اللّه القويم و اقتحم المعاصى و الآثام فإن هذا ليس من باب الرجاء بل من باب العجز و التفريط فلا بد للمسلم من الأخذ بالأسباب الموصلة للنجاة و ذلك بالمداومة على طاعة اللّه و الإقلاع عن المعاصى و التوبة منها. ثم يرجو اللّه و يحسن ظنه به و أنه بإذنه تعالى مجازيه على إحسانه و استقامته قابل لتوبته، فهذا هو الرجاء الصحيح الّذي يورث صاحبه الاطمئنان و الأمن.
يقول ابن القيم: و لا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه و لا يخلف وعده ... و من تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن باللّه هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله و يثيبه عليها، فالذى حمله على العمل حسن الظن فكما حسن ظنه حسن عمله و إلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز[١].
و يقول أيضا: و قد تبين الفرق بين حسن الظن و الغرور و أن حسن الظن إن حمل على العمل و حث عليه و ساعده و ساق إليه فهو صحيح و إن دعا إلى البطالة و الانهماك فى المعاصى فهو غرور و حسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذبا إلى الطاعة زاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح، و من كانت بطالته رجاء أو رجاؤه بطالة و تفريطا فهو المغرور و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ[٢] فتأمل كيف جعل رجاءهم بإتيانهم بهذه الطاعات ... و سر المسألة أن الرجاء و حسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التى اقتضتها حكمة اللّه فى شرعه و قدره
[١] - الجواب الكافى ص: ٢٦- ٢٨.
[٢] - سورة البقرة/ ٢١٨.