المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٥٥ - التعليق
فالإحجام عن الوقوع فيما حرم اللّه مع قوة الداعى إليه دليل على كمال الإيمان و امتلاء القلب خوفا من اللّه تعالى و قد أورثه هذا الخوف هذه المنزلة العظيمة بأن جعله اللّه فى ظله يوم لا ظل إلا ظله جزاء له على محاربته لشهوته و قمعها مع قوة تسلطها و هذا فى سبيل مرضاة اللّه تعالى و الالتزام بأمره و الانتهاء عما نهى عنه.
و فى الختام أقول: إن الخوف من اللّه سبحانه و تعالى من أعظم الدوافع لمراجعة العبد لنفسه و محاسبتها و تقويم عمله فى هذه الحياة فإن كان محسنا ازداد و إن كان مسيئا رجع و تاب.
و لا بد مع ما ذكر أن لا يخرج الخوف بصاحبه عن الحد المألوف و الصحيح و هو أن يكون باعثا على الالتزام بالأوامر و الانتهاء عن النواهى مقترنا بالرجاء و حسن الظن باللّه تعالى.
يقول ابن رجب: و القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض و اجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير فى نوافل الطاعات و الانكفاف عن دقائق المكروهات كان ذلك فضلا محمودا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا أو هما لازما بحيث يقطع عن السعى فى اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة للّه عز و جل لم يكن محمودا و لهذا كان السلف يخافون على عطاء السليمى[١] من شدة خوفه الّذي أنساه القرآن، و صار صاحب فراش، و هذا لأن خوف العقاب ليس مقصودا لذاته إنما هو سوط يساق به المتوانى عن الطاعة إليها[٢]. و من هنا كانت النار من جملة نعم اللّه على عباده الذين خافوه و اتقوه و لهذا المعنى عدها اللّه سبحانه من جملة آلائه على الثقلين فى سورة الرحمن ... و لا ننكر أن خشية اللّه و هيبته و عظمته فى الصدور و إجلاله مقصود أيضا، و لكن القدر النافع من ذلك ما كان عونا على التقرب إلى اللّه بفعل ما يحبه و ترك ما يكرهه و متى صار الخوف مانعا من ذلك و قاطعا فقد انعكس
[١] - البصرى العابد، من صغار التابعين، توفى بعد الأربعين و مائة. انظر: حلية الأولياء ٦/ ٢١٥، و سير أعلام النبلاء ٦/ ٨٦، و تبصير المنتبه ٢/ ٧٤٦.
[٢] - لذا ذكر العلماء أنه من الأوفق تغليب الرجاء فى حالة المرض.