المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٣٤٤ - التعليق
للمسلمين ... و هذا هو القول الصحيح.
و القول الثانى: يجوز بقاؤها، لقول ابن عباس رضى اللّه عنه: «أيما مصر مصرته العجم ففتحه اللّه على العرب فنزلوه فإن للعجم ما فى عهدهم»، و لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فتح خيبر عنوة و أقرهم على معابدهم فيها، و لم يهدمها و لأن الصحابة رضى اللّه عنهم فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس التى بها و يشهد لصحة هذا وجود الكنائس و البيع فى البلاد التى فتحت عنوة، و معلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح و قد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن: لا تهدموا كنيسة و لا بيعة و لا بيت نار» «١» و لا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس فإنها التى أحدثت فى بلاد الإسلام، و لأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة فى بلاد المسلمين من غير نكير.
و فصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل فى ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة- لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها و قلة أهل الذمة- فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة.
و إن كان تركها أصلح- لكثرتهم و حاجتهم إليها و غنى المسلمين عنها- تركها، و هذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد صارت ملكا للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكا للكفار، و إنما هو امتناع بحسب المصلحة فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة فى ذلك ... فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة و هو اختيار شيخنا- يعنى ابن تيمية- و عليه يدل فعل الخلفاء الراشدين و من بعدهم، و عمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة فى هدمه و أقر ما رأى المصلحة فى إقراره، و قد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد و هى أرض العنوة.
الضرب الثالث: ما فتح صلحا، و هذا نوعان:
أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم، و لنا الخراج عليها، أو يصالحهم على مال يبذلونه و هى الهدنة. فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها،
______________________________
(١) كذا فى المغنى لابن قدامة راجع ٨/ ٥٢٧.