المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٣٠٤ - التعليق
قال ابن رجب: و المعنى المقتضى لتحريم الغناء: أن النفوس مجبولة على حب الشهوات كما قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ[١] الآية. فجعل النساء أول الشهوات المزنية و الغناء المشتمل على وصف ما جبلت النفوس على حبه و الشغف به، من الصور الجميلة يثير ما كمن فى النفوس من تلك المحبة و يشوق إليها و يحرك الطبع و يزعجه و يخرجه عن الاعتدال و يؤزه إلى المعاصى أزا ... و قد افتتن بسماع الغناء خلق كثير فأخرجهم استماعه إلى العشق و فتنوا فى دينهم فلو لم يرد نص صريح فى تحريم الغناء بالشعر الّذي توصف فيه الصور الجميلة لكان محرما بالقياس على النظر إلى الصور الجميلة التى يحرم النظر إليها بالشهوة بالكتاب و السنة و إجماع من يعتد به من علماء الأمة فإن الفتنة كما تحصل بالنظر و المشاهدة فكذلك تحصل بسماع الأوصاف و اجتلائها من الشعر الموزون المحرك للشهوات و لهذا نهى النبي صلى اللّه عليه و سلم أن تصف المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها[٢] لما يخشى من ذلك من الفتنة و قد جعل النبي صلى اللّه عليه و سلم «زنا العينين النظر و زنا الأذنين الاستماع»[٣][٤]. اه
تنبيه: الإمام أحمد- كما هو واضح من مجموع الروايات عنه- و كما بينه آنفا ابن رجب- كغيره من العلماء يمنع من الغناء و لا يرخص فيه البتة و من حكى عنه الرخصة- فإنما أراد بذلك سماع القصائد الزهدية المجردة ففى ذلك عنه روايتان. فليتنبه لهذا.
يقول ابن الجوزى: و قد ذكر أصحابنا عن أبى بكر الخلال و صاحبه عبد العزيز إباحة الغناء و إنما أشار إلى ما كان فى زمانهما من القصائد الزهديات[٥] و على هذا يحمل ما لا يكرهه أحمد و يدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن
[١] - سورة آل عمران/ ١٤.
[٢] - رواه البخارى ٩/ ٣٣٨ و غيره.
[٣] - رواه مسلم ٤/ ٢٠٤٧ و نحوه عند البخارى ١١/ ٢٦.
[٤] - نزهة الأسماع ص: ٥٧- ٦٧.
[٥] - قال ابن رجب: و إنما أرادوا سماع هذه القصائد الزهدية المرققة لم يرخصوا فى أكثر من ذلك. نزهة الأسماع ص: ٧٢.