غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٧ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
وما اعترضوا به من أنه لو كان ضرورياً لاعترف به جميع العقلاء قلنا كذلك ولكن لستم منهم والشبهة في البصيرة كالعمى في البصر فكما يخفى على الأعمى المحبوس كذا المعقول البديهي على أعمى البصيرة فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
الدليل الثاني: إنا نعلم يقيناً قبح بعض الأشياء كالكذب والظلم والزنا واللواط وكل الفواحش وليس القبح بقيامها في الشيء بل بإيجادها بل إيجاد الشركة بل نعلم قبح الإعانة عليها بل الرضا بها وأي عاقل يرضى بأن الله تعالى يوجد سبه والبراءة منه وشتم أنبياءه وهتك حريمهم وأمثال ذلك من الفواحش في عباده تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
الدليل الثالث: إنه يلزم من الظلم على الله تعالى إذْ يوجد المعصية والفاحشة في العبد ويعاقبه عليها بل يخلده في النار ويفعل السفه والقبائح بأسرها ويذم ويعاقب عليها.
الدليل الرابع: إن هذا خلاف المعهود من جميع الملل فإن أهل الأديان بأسرهم حاكمون بأن الله أوجب عليهم إيجاد كذا وزجرهم عن إيجاد كذا ولم يخطر ببال أحد منهم أنه أمر بإرادته عنها أمر بفعله ونهى عنه.
الدليل الخامس: الآيات القرآنية وهي أقسام منها:
(١) ما ورد من مدح المؤمن على إيمانه وذم الكافر على كفره ووعدهما وتوعدهما على الطاعة والمعصية كقوله تعالى [اليَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ] [اليَوْمَ تُجْزَونَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلون] [لِتُجْزَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى] [أَلّا تَزِرَ وازرةً وِزْرَ أُخْرى] [أُولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوا الحَياةَ الدّنيا] [وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ] ونظائرها.
(٢) ما دل على أن الله تعالى منزه عن مماثلة أفعال المخلوقين من وقوع القبائح لقوله تعالى [إِنّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ] [وَمَا رَبّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبيدِ]