غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠ - المبحث الرابع في الحقيقة والمجاز
الحقيقة استعمالًا فإنه قال إذا غلب المجاز على الحقيقة ومثل بمثال وقال فيه فإن استعماله في المعنى المجازي غالب فيه دون الحقيقي وقال هكذا في كتب الشافعية ثم نسب إلى الحنفية نحو ذلك قال قالوا إذا كان اللفظ حقيقة مستعملة ومجاز متعارف وساقوا الخلاف، وأما الفاضل المراغي شارح منتخب الأصول فعنون البحث بالحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح والفرق بين الكل ظاهر، فإن الشافعية أخذوا غلبة الحقيقة ولم يلتقوا بمجرد التعارف إذ يصدق على مساوي الحقيقة بخلاف الحنفية والظاهر أن هؤلاء عند ذلك أيضاً وأن لم يفِ كلامهم.
وأما شارح المنتخب فقد أخذ الأعم من الرجحان الداخلي والخارجي بل شيوع المصداق أو شيوع الإطلاق حتى إذا لم يكن رجحان في الاستعمال أصلًا، والظاهر إن هذا المعنى أقرب إلى سوق أدلتهم بما سأوضح لك، والحق المتبع أن يقال: لا ارتياب في عدم ملاحظة المرجح (المرجح الداخلي) أعني شيوع الاستعمال أو المستعمل فيه فإنا نرى أكثر المجازات شائعة حد الشيوع والحقيقة مغمورة فيها تقدم فيها الحقيقة كلفظ العام مع شيوع التخصيص حتى قيل" ما من عام إلا وقد خصص" وكلفظ الأسد والسبع والكافر وفرعون وقارون والألفاظ العرفية من الشرعية وغيرها فإنهم مع تسليم شهرتها وكثرتها بنوا حمل اللفظ عليها على الوضع اليقيني كما لا يخفى على من تتبع مسيرة أهل العلم، والحاصل هذه الدعوى منفية بالسيرة المعهودة من أهل العلم واللغة، وأما المرجحات الخارجية فإن أدت إلى حيث لا يكون المعنى الحقيقي قابلًا للإرادة كما في القرائن الشبيه بالقطعية كتعلق الآكل بغير المأكول والشرب بغير المشروب فيصرف إليه يقيناً وإلا فإن كانت بحيث تكون وسيلة إلى التفاهم العرفي وبناء السامع فهي المعتبرة وإلا فالبناء على الحقيقة إذ هي الأصل ولا نتصرف عنها بمجرد الاحتمال بل لا بد من مظنة قوية تستأهل أن يقطع الأصل من أجلها وعادة العلماء البناء على الحقائق حتى تعلم المجازات وهذه طريقتهم خلفاً بعد سلف فإنهم لا يورون في منع الحقائق سوى القرائن الدافعة لاحتمال