غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢ - المبحث الرابع في الحقيقة والمجاز
في تعارض الأحوال
اعلم أن الشك في حال اللفظ أما إن يكون قبل الاستعمال أو بعده وقد أوضحنا الحال في أمر الأول من أنه لا تعويل إلا على الظنون المخصوصة على ما ينساها سابقاً وأما الثاني ونعني به أن يستعمل العربي لفظاً في معنى ونجهل حاله فيه فلا تعلم كونه مجازاً أو مشتركاً إلى غير ذلك، ولا ريب في التعويل هاهنا على التراجيح و أنه مع دوران اللفظ بين المرجوح والمرجوح يقدم الراجح ويدلك على ذلك حمل العلماء كلمات العرب الصادرة عنهم أعلى المراتب الممكنة حتى أنهم يتكلفون للأشعار العربية والآيات والأخبار معاني دقيقة في أعلى ما يكون من الخفاء لرجحان اعتبار الراجح على المرجوح عندهم وكذا في الحقائق المختلفة في الرجحان كتعارض الإفراد والتركيب والزيادة والأصالة والاسمية والحرفية ومنع الصرف في عدمه والتعريف والتنكير والتذكير والتأنيث إلى غير ذلك وبعد النظر في كلماتهم تعلم يقينا أن الواجب حمل اللفظ على الأولى حتى يعلم الأضعف ومطلبنا هذا فإنه بعد العلم بالاستعمال وجهل الجهة فإن كانت الجهات على حد سواء حمل الأمر وإن كانت على التفاوت حمل على الأولى والأنسب.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الدور قد يكون بين ما علمت صحته وجهل وجه كما في الدوران بين التخصيص والمجاز أو الإضمار أو المجاز والإضمار فإن الكل يصح اعتباره لدخوله تحت الرخصة العامة ففي مثل هذا لا نرتاب في أن الحمل مبني على الرجحان وعدمه إذ ترجع المسألة إلى التردد في فهم المراد، وقد بينت أن التعويل فيها على مطلق الظنون من شهرة أو ترجيح بنحو ما ذكرت من أن سيرة القوم تقديم المعاني الموافقة للاعتبارات والمناسبة للمقامات وبين ما جهلت صحته ووجهه وهذا كما في الدوران بين الاشتراك والأربعة والنقل والثلاثة فبالاستعمال نبين أن اللفظ موضوع لمعنيين أو نقول إلى غير ذلك على نحو ما يقتضي الترجيح ويتفرع عليه المسألة الفقهية وهذا نحو آخر غير