غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٦ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
المغلوبة فاستحقاق العاصي للعذاب على تلك الإرادة وذلك الاختيار فلا يلزم المحذور ولا الظلم. وبعض الحكماء وجمع من الأشاعرة بعد أن علموا شناعة مذهبهم إلى أن الأفعال مخلوقة لهم إلّا أنها بطريق الجبر دون الاختيار وأن العبد لا اختيار له في شيء من أفعاله بمعنى إن الله إذا أراد وقوع الفعل من العبد جبره على الفعل وبعض ذهب إلى اشتراك القدرتين وإن الفعل إذا أراده العبد فباشر بقدرته انضم إليه قدرة إلهية فالفعل مشترك وعندنا جماعة الإمامية وعند من وافقنا من المعتزلة وغيرهم إن أفعال العبد مخلوقة له وصادرة باختياره بمعنى أنه تعالى أوجده على حالة يتمكن فيها من الحسن والقبيح ثم وكل الأمر إليه فإن أحسن أثابه وإن أساء عاقبه ولم يتركه سداة. بمعنى أنه يفعل كلما أراد أن يفعل ويترك كلما أراد أن يترك إذْ لو كان الأمر كذلك لفسد النظام بل حرسه وحفظه مما يهلكه ويؤدي إلى تلفه وحل عزمه عن أشياء وحثه على أشياء فهو متقلب في تدبيره له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله فلا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ولنا على هذا وجوه من الأدلة:
الدليل الأول: الضرورة الحاكمة بذلك فإن كل من يفهم شيئاً حتى الطفل والمجنون بل الأشاعرة أيضاً على هذا إلى أن سمعوا خالف تعرف ووقعت عليهم الشبهة حاكمون بأن هذا الأفعال الصادرة عنهم ناشئة منهم بل إنهم يصرحون به في غير وقت المناظرة إذا عاقبوا من أساء إليهم أو أحسنوا إلى من أحسن لا يخطر في نظرهم سوى أنه هو الفاعل ومواعظهم ومكارم أخلاقهم مملوءة من ذلك. وليس تجويز هذا إلّا كتجويز أن الأفعال الصادرة منا إنما كانت بمباشر من ملك أو شيطان أو غير ذلك إذْ يجوز أن الحركة في اليد والبطش بها بقوة ملك وهي آلة حتى لو عوقب أهل المعاصي وفاعلو المحظورات لا يتشبثون بهذا العذر وهو إن الله قد أوجد فينا الفعل مع أنهم صرحوا يعتذرون بأدنى كقولهم الشيطان غلبني والشهوة غلبتني وأمثال ذلك فتدبر.