غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٥ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
آخر وهو إن القبح يستدعي مفسدة وكذا أكثر أنواع الحسن تستدعي مصالح سوى الإباحة فإنها موقوفة على عدم وهو عدم المفسدة. ولا ريب في أن الأصل عدمها إلى أن تثبت وطريق ثبوتها الشرع والأشاعرة فمذهبهم التوقف. وقد فسر بوجهين:
الوجه الأول: عدم العلم بالحكم الشرعي إذْ العقل لا ينهض مثبتاً والنقل مفقود كما هو المفروض.
الوجه الثاني: إنا نعلم عدم الحكم فيكون الشيء قبل ورود الشرع خالياً عن الحكم وهذا وقفاً في الحقيقة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى [وما كنا معذبين].
وفيه ما فيه وقد سبق مكرراً فقد ظهر أن مختارنا على خلاف مذهب معتزلة البصرة من الإباحة مطلقاً إلّا أن يريدوا بقولهم قبل ورود الشرع وخلاف معتزلة بغداد بالتحريم مطلقاً وخلافنا مع الأشعري ظاهر فعليك بالتثبت في هذا المقام فإنه من مزال الإفهام وفقنا الله للدقائق والوقوف على الحقائق.
المطلب الثاني: في تحقيق الفاعل
اعلم أن من الأفعال ما هو مختص بالواجب تعالى لا شريك له فيه كخلق الأجسام وإصلاح النظام وخلق السماء وإرسال الأنبياء وبدء الكون وإيجاد الأين وإضرابها مما لا يحصره قول واحد، وهي صادرة بطريق الاختيار لا بالإيجاب وفاقاً بين الملّيين، ومنها صادرة بمباشرة العبد وهي إما أن تكون بالاختيار كالحركات الاختيارية والأفعال الجارية بشعور وإرادة كالأكل والشرب وأما أن يكون بمقتضى الجبر وميل الطبيعة كالحركة الطبيعية والعارضة بالاضطرار كالارتعاشية ولا كلام لهم في القسم الأخير وإنما النزاع في الأول وأقوالهم فيه مختلفة.
فالأشاعرة على نفي الأفعال عن العبيد وأنه لا قدرة لهم مؤثرة وأن القدرة كاسبة والإرادة موافقة لفعل الله تعالى بمعنى إن الله عز وجل أوجد في العبد إرادة وقدرة وخلق الفعل على مقتضى تلك الإرادة وهاتيك القدرة