تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٥٥٢ - سورة فصلت
ساير أنبيائه فان الله عز و جل جعل لكل نبي عدوا من المشركين كما قال في كتابه و بحسب جلالة منزلة نبينا صلى الله عليه و آله عند ربه كذلك عظم محنته لعدوه الذي عاذ منه في حال شقاقه و نفاقه، و كل أذى و مشقة لدفع نبوته و تكذيبه إياه و سعيه في مكارهه و قصده لنقض كل ما أبرمه، و اجتهاده و من ما لاه على كفره و عناده و نفاقه و إلحاده في ابطال دعوته و تغيير ملته و مخالفة سنته، و لم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه و إيحاشهم منه و صدهم عنه و اغرائهم بعداوته، و القصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، و إسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل و كفر ذوي الكفر، منه و ممن وافقه على ظلمه و بغيه و شركه، و لقد علم الله ذلك منهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا و قال: «يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ» و لقد احضروا الكتاب مكملا مشتملا على التأويل و التنزيل و المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ، لم يسقط منه حرف الف و لا لام، فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق و الباطل، و ان ذلك ان ظهر نقض ما عقدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه نحن مستغنون عنه بما عندنا، و لذلك قال: «فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ» ثم دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله إلى جمعه و تأليفه و تضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به و وكلوا تأليفه و نظمه إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء الله فألفه على اختيارهم، و ما يدل للمتأمل على اختلال تمييزهم و افترائهم و تركوا منه ما قدروا انه لهم و هو عليهم، و زادوا فيه ما ظهرتنا كره و تنافره، و علم الله ان ذلك يظهر و يبين، و فقال:
«ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» و انكشف لأهل الاستبصار عوارهم و افتراؤهم، و الذي بدا في الكتاب من الإزراء على النبي صلى الله عليه و آله من فرية الملحدين و لذلك قال: «إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً» فيذكر جل ذكره لنبيه صلى الله عليه و آله ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ» يعنى انه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعاينه من نفاق قومه و عقوقهم و الانتقال إلى دار الاقامة الا القى الشيطان المعرض لعداوته عند