تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٢١١ - سورة لقمان
٧٨- و فيه و قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصية لابنه محمد بن الحنفية: يا بنى إياك و الاتكال على الأماني فانها بضائع النوكي و تثبط عن الاخرة[١] يا بنى لا شرف أعلى من الإسلام، و لا كرم أعز من التقوى، و لا معقل أحرز من الورع، و لا شفيع أنجح من التوبة، و لا لباس أجمل من العافية، و لا وقاية أمنع من السلامة، و لا كنز أغنى من القنوع، و لا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، و من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة، و تبوأ خفض الدعة[٢] يا بنى الرزق رزقان: رزق تطلبه و رزق يطلبك، فان لم تأته أتاك، فلا تحمل هم سنتك عليهم يومك كفاك كل يوم ما هو فيه، فان تكن السنة من عمرك فان الله عز و جل سيأتيك في كل غد بجديد ما قسم لك، و ان لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بغم و هم ما ليس لك، و اعلم انه لن يسبقك الى رزقك طالب، و لن يغلبك عليه غالب، و لن يحتجب عنك ما قدر لك، فكم رأيت من طالب متعب نفسه مقتر عليه رزقه[٣] و مقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير، و كل مقرون به الفناء اليوم لك و أنت من بلوغ غد على غير يقين، و لرب مستقبل يوما ليس بمستدبره و مغبوط في أول ليلة قام في آخرها بواكيه. فلا يغرنكم من الله طول حلول النعم و إبطاء موارد النقم، فانه لو خشي الفوت عاجل بالعقوبة قبل الموت، يا بنى اقبل من الحكماء مواعظهم و تدبر أحكامهم، و اعلم ان رأس العقل بعد الايمان بالله عز و جل مداراة الناس، و لا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لا بد من معاشرته حتى يجعل الله الى الخلاص منه سبيلا، فانى وجدت جميع ما يتعايش به الناس و به يتعاشرون[٤] ملء مكيال، ثلثاه استحسان و ثلثه تغافل، اعلم يا بنى انه لا بد لك من حسن الارتياد و بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحمل على ظهرك فوق طاقتك فيكون
[١] الأنكال: الاعتماد و الأماني جمع الامنية: التمني، و النوكي بالفتح جمع الأنوك و هو الأحمق، و التثبيط: التعويق عن الاخرة قال الفيض( ره) في الوافي اى عن عملها و في بعض النسخ تقنط عن الاخرة و الاول أظهر.