تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٤٤٨ - سورة ص
و بين عدوهم، و كان التابوت في بنى إسرائيل كما قال الله عز و جل: «فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ» و قد كان رفع بعد موسى عليه السلام الى السماء لما عملت بنو إسرائيل بالمعاصي، فلما غلبهم جالوت و سألوا النبي ان يبعث إليهم ملكا يقاتل في سبيل الله تقدس وجهه بعث إليهم طالوت و انزل عليهم التابوت و كان التابوت إذا وضع بين بنى إسرائيل و بين أعدائهم و رجع عن التابوت إنسان كفر و قتل و لا يرجع أحد عنه الا و يقتل أو يقتل، فكتب داود عليه السلام الى صاحبه الذي بعثه ان ضع التابوت بينك و بين عدوك. و قدم أوريا بن حيان بين يدي التابوت فقدمه و قتل، فلما قتل أوريا دخل عليه الملكان و قعدا و لم يكن تزوج امرأة أوريا و كانت في عدتها، و داود في محرابه يوم عبادته، فدخل الملكان من سقف البيت و قعدا بين يديه، ففزع داود منهما فقالا: «لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ» و لداود حينئذ تسعة و تسعون امرأة ما بين مهيرة[١] الى جارية، فقال أحدهما لداود: «إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ» اى ظلمني و قهرني فقال داود كما حكى الله عز و جل: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ» الى قوله «وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ» قال:
فضحك المستعدى عليه من الملائكة و قال: حكم الرجل على نفسه، فقال داود:
أ تضحك و قد عصيت؟ لقد هممت ان اهشم فاك[٢] قال: فعرجا و قال الملك المستعدى عليه:
لو علم داود انه أحق ان يهشم فاه منى، ففهم داود الأمر و ذكر الخطيئة فبقي أربعين يوما ساجدا يبكى ليلة و نهاره و لا يقوم الا وقت الصلوة حتى انخرق جبينه و سال الدم من عينيه.
فلما كان بعد أربعين يوما نودي: يا داود ما لك أ جائع أنت فنشبعك أو ظمآن فنسقيك أم عريان فنكسوك، أم خائف فنؤمنك؟ فقال: اى رب و كيف لا أخالف و قد عملت ما عملت و أنت الحكم العدل الذي لا يجوز ظلم ظالم؟ فأوحى الله عز و جل اليه تب يا داود فقال اى رب و انى لي بالتوبة؟ قال: صر الى قبر أوريا حتى ابعثه إليك و اسئله ان يغفر لك، فان غفر لك غفرت لك
[١] المهيرة من النساء: الحرة الغالية المهر.