تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٦٠٨ - سورة الزخرف
من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى، و خصاصة تملأ الأبصار و الأسماع أذى، و لو كانت الأنبياء عليهم السلام أهل قوة لا ترام و عزة لا تضام، و ملك تمد نحوه أعناق الرجال و تشد اليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار و أبعد لهم من الاستكبار، و لا منوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، و كانت النيات مشتركة و الحسنات مقتسمة، و لكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله و التصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام لطاعته أمورا له خاصة لا يشوبها من غيرها شائبة، و كلما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل.
٦٧- في كتاب التوحيد باسناده إلى أحمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ قال: ان الله تبارك و تعالى لا يأسف كأسفنا و لكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون و يرضون، و هم مخلوقون مدبرون، فجعل رضاءهم لنفسه رضى، و سخطهم لنفسه سخطا، و ذلك لأنه جعلهم الدعاة اليه و الأدلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك و ليس ان ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه و لكن هذا معنى ما قال من ذلك، و قد قال أيضا: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني إليها، و قال أيضا: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» و قال أيضا: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» و كل هذا و شبهه على ما ذكرت لك و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك، و لو كان يصل إلى المكون الأسف و الضجر و هو الذي أحدثهما و انشأهما لجاز لقائل ان يقول: ان المكون يبيد يوما، لأنه إذا دخله الضجر و الغضب دخله التغيير، فاذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة[١] و لو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون و لا القادر من المقدور، و لا الخالق من المخلوقين، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فاذا كان لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه، فافهم ذلك إنشاء الله.
٦٨- في أصول الكافي محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن عمه حمزة بن بزيع عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل:
[١] الابادة: الإهلاك.