تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ١٩٧ - سورة لقمان
بشيء أتاه من أمر الدنيا و لا حزن منها على شيء قط، و قد نكح من النساء و ولد له من الأولاد الكثير و قدم أكثرهم افراطا فما بكى على موت أحد منهم و لم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان الا أصلح بينهما، و لم يمض عنهما حتى تحابا[١] و لم يسمع قولا قط من أحد استحسنه الا سأل عن تفسيره و عمن أخذه، و كان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء، و كان يغشى القضاة و الملوك و السلاطين فيرثي للقضاة مما ابتلوا به، و يرحم الملوك و السلاطين لغرتهم بالله و طمأنينتهم في ذلك، و يعتبر و يتعلم ما يغلب به نفسه، و يجاهد به هواه و يحترز به من الشيطان، و كان يداوي قلبه بالفكر و يداوي نفسه بالعبر، و كان لا يظعن الا فيما يعنيه فبذلك أوتى الحكمة و منح العصمة، و ان الله تبارك و تعالى امر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار و هدأت العيون بالقائلة[٢] فنادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم، فقالوا: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس؟ فقال لقمان: ان أمرني الله بذلك فالسمع و الطاعة لأنه ان فعل ذلك أعانني عليه و علمني و عصمنى، و ان هو خيرنى قبلت العافية، فقالت الملائكة:
يا لقمان لم؟ قال: لان الحكم بين الناس بأشد المنازل و أكثر فتنا و بلاء أ يخذل و لا يعان[٣] و يغشاه الظلم من كل مكان و صاحبه فيه بين أمرين ان أصاب فيه الحق فبالحرى أن يسلم، و ان أخطأ أخطأ طريق الجنة، و من يكن في الدنيا ذليلا ضعيفا كان أهون عليه في المعاد من أن يكون حكما سريا شريفا[٤] و من اختار الدنيا على الاخرة يخسرهما كلتاهما، تزول هذه و لا يدرك تلك، قال: فتعجب الملائكة من حكمته و استحسن الرحمن منطقه، فلما أمسى و أخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة
[١] كذا في النسخ لكن في المصدر و كذا المنقول عنه في البحار« تحاجزا» و فسره المجلسي( ره) اى تصالحا و تمانعا.