تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ١٩٨ - سورة لقمان
فغشاه بها من قرنه الى قدمه و هو نائم، و غطاه بالحكمة غطاء، فاستيقظ و هو أحكم الناس في زمانه، و خرج على الناس ينطق بالحكمة و يبثها فيها[١] قال: فلما اوتى الحكم بالخلافة و لم يقبلها أمر الله عز و جل الملائكة فنادت داود عليه السلام بالخلافة فقبلها و لم يشترط فيها بشرط لقمان، فأعطاه الله عز و جل الخلافة في الأرض و ابتلى بها غير مرة كل ذلك يهوى في الخطاء، يقيله الله تعالى و يغفر له، و كان لقمان يكثر زيارة داود عليه السلام و يعظه بمواعظه و حكمته و فضل علمه، و كان داود عليه السلام يقول له: طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة و صرفت عنك البلية، و أعطى داود عليه السلام الخلافة و ابتلى بالحكم و الفتنة.
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل: وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قال: فوعظ لقمان ابنه بآثار حتى تفطر و انشق[٢] و كان فيما وعظه به يا حماد أن قال: يا بنى انك منذ سقطت الى الدنيا استدبرتها و استقبلت الاخرة فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد. يا بنى جالس العلماء و زاحمهم بركبتيك، و لا تجادلهم فيمنعوك، و خذ من الدنيا بلاغا و لا ترفضها فتكون عيالا على الناس، و لا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك، و صم صوما يقطع شهوتك و لا تصم صياما يمنعك من الصلوة. فان الصلوة أحب الى الله من الصيام، يا بنى ان الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الايمان، و اجعل شراعها التوكل، و اجعل زادك فيها تقوى الله، فان نجوت فبرحمة الله و ان هلكت فبذنوبك، يا بنى ان تأدبت صغيرا انتفعت به كثيرا، و من عنى بالأدب اهتم به و من اهتم به تكلف علمه، و من تكلف علمه اشتد له طلبه، و من اشتد طلبه أدرك منفعته، فاتخذه عادة فانك تخلف في سلفك، و ينتفع به من خلفك، و يرتجيك فيه راغب و يخشى صولتك راهب، و إياك و الكسل عنه بالطلب لغيره، فان غلبت على الدنيا فلا تغلبين على الاخرة، و إذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الاخرة، و اجعل في
[١] و في البحار« و يبنيها فيها» و فسرّه المجلسي( ره) بقوله اى في جماعة الناس أو في الدنيا.