الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٩ - البحث الثالث في حقيقة الإنسان
فيه، لكنّه لا ينتج انتفاء النفس المجردة التي أقيم البرهان على وجودها؛ فإنّ العلوم الطبيعية الباحثة عن أحكام الطبيعة و خواصّ المادة إنما تقدر على تحصيل خواصّ موضوعها الذي هو المادة و إثبات ما هو من سنخها، و كذا الخواص و الأدوات المادية التي نستعملها لتتميم التجارب المادية إنّما لها أن تحكم في الأمور المادية، و أمّا ما وراء المادة و الطبيعة فليس لها أن تحكم فيها نفيا و لا إثباتا، و غاية ما يشعر البحث المادي به هو عدم الوجدان، و عدم الوجدان غير عدم الوجود، و ليس من شأنه- كما عرفت- أن يجد ما بين المادة- التي هي موضوعها- و لا بين أحكام المادة و خواصّها- التي هي نتائج بحثها- أمرا مجردا خارجا عن سنخ المادة و حكم الطبيعة.
و الذي جرّأهم على هذا النفي زعمهم أنّ المثبتين لهذه النفس المجرّدة إنما أثبتوها لعثورهم على أحكام حيوية من وظائف الأعضاء و لم يقدروا على تعليلها العلمي، فأثبتوا النفس المجرّدة لتكون موضوعا مبدئا لهذه الأفاعيل، فلمّا حصل العلم اليوم على عللها الطبيعية لم يبق وجه للقول بها. و نظير هذا الزعم ما زعموه في باب إثبات الصانع.
و هو اشتباه فاسد، فإن المثبتين لوجود هذه النفس لم يثبتوها لذلك، و لم يسندوا بعض الأفاعيل البدنية إلى البدن فيما علله ظاهرة و بعضها إلى النفس فيما علله مجهولة، بل أسندوا الجميع إلى العلل البدنية بلا واسطة و إلى النفس بواسطتها، و إنّما أسندوا إلى النفس ما لا يمكن إسناده إلى البدن البتة، و هو علم الإنسان بنفسه و مشاهدته ذاته، كما مر.
و أمّا قولهم: «إنّ الإنية المشهودة للإنسان على صفة الوحدة هي عدّة من الإدراكات العصبية الواردة على المركز على التوالي و في نهاية السرعة، و لها وحدة اجتماعية» فكلام لا محصّل له و لا ينطبق عليه الشهود النفساني البتة، و كأنّهم ذهلوا عن شهودهم النفساني فعدلوا عنه إلى ورود المشهودات الحسّية إلى الدماغ، و اشتغلوا بالبحث عما يلزم ذلك من الآثار التالية.
و ليت شعري إذا فرض أنّ هناك أمورا كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها البتة، و هذه الأمور الكثيرة التي هي الإدراكات أمور مادية ليس وراءها شيء آخر إلّا نفسها، و أنّ الأمر المشهود الذي هو النفس الواحدة هو عين هذه الإدراكات الكثيرة، فمن أين حصل هذا الواحد الذي لا نشاهد غيره؟! و من أين حصلت هذه الوحدة المشهودة فيها عيانا؟
و الذي ذكروه من وحدتها الاجتماعية كلام أشبه بالهزل منه بالجدّ؛ فإنّ الواحد الاجتماعي هو كثير في الواقع من غير وحدة، و إنّما وحدتها في الحسّ أو الخيال- كالدار الواحد و الخطّ