الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٧ - البحث الثالث في حقيقة الإنسان
العقل، و أخرى من جهة دلالة القرآن، و ثالثة من جهة العلم.
و نحن نذكر في الجهة الاولى، كلام بعض المفسّرين من أهل المعقول، و إن كان لنا نقاش أو إيراد على بعض كلامه. ثمّ إنّ بحثه و إن كان في تجرّد النفس لكنه يفي بالمقام، قال:
هل النفس مجرّدة عن المادة؟ (و نعني بالنفس ما يحكي عنه كلّ واحد منّا بقوله: أنا؛ و بتجرّدها عدم كونها أمرا ماديا ذا انقسام و زمان و مكان).
إنا لا نشكّ في أنّا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: ب «أنا»، و لا نشكّ أنّ كلّ إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حينا من أحيان حياتنا و شعورنا، و ليس هو شيئا من أعضائنا و أجزاء بدننا التي نشعر بها بالحسّ أو بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة من البصر و اللمس و نحو ذلك و أعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحس و التجربة، فإنا ربما نغفل عن كلّ واحد منها و عن كلّ مجموع منها حتّى عن مجموعها التامّ الذي نسمّيه بالبدن و لا نغفل قط عن المشهود الذي نعبّر عنه ب «أنّا»، فهو غير البدن و غير أجزائه.
و أيضا: لو كان هو البدن أو شيئا من أعضائه أو أجزائه أو خاصة من الخواص الموجودة فيها- و هي جميعا مادية، و من حكم المادة التغير التدريجي و قبول الانقسام و التجزؤ- لكان ماديا متغيّرا و قابلا للانقسام، و ليس كذلك، فإنّ كل أحد إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لنفسه- و ذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أوّل شعوره بنفسه- وجده معنى مشهودا واحدا باقيا على حاله من غير أدنى تعدد و تغير، كما يجد بدنه و أجزاء بدنه و الخواصّ الموجودة معها متغيرة متبدّلة من كلّ جهة في مادتها و شكلها و سائر أحوالها و صورها، و كذا وجده معنى بسيطا غير قابل للانقسام و التجزّؤ كما يجد البدن و أجزاءه و خواصه- و كل مادة و أمر مادي كذلك-. فليست النفس هي البدن و لا جزءا من أجزائه و لا خاصّة من خواصه، سواء أدركناه بشيء من الحواسّ أو بنحو من الاستدلال أو لم ندرك، فإنّها جميعا مادية كيفما فرضت، و من حكم المادة التغيّر و قبول الانقسام، و المفروض أن ليس في مشهودنا المسمّى بالنفس شيء من هذه الأحكام، فليست النفس بمادية بوجه.
و أيضا هذا الذي نشاهده نشاهده أمرا واحدا بسيطا ليس فيه كثرة من الأجزاء و لا خليط من خارج بل هو واحد صرف، فكلّ إنسان يشاهد ذلك من نفسه و يرى أنّه هو و ليس بغيره، فهذا المشهود أمر مستقلّ في نفسه، لا ينطبق عليه حدّ المادة و لا يوجد فيه شيء من أحكامها