الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٨ - البحث الثالث في حقيقة الإنسان
اللازمة، فهو جوهر مجرّد عن المادة متعلّق بالبدن نحو تعلّق يوجب اتحادا ما له بالبدن، و هو التعلق التدبيري، و هو المطلوب.
و قد أنكر تجرّد النفس جميع الماديين و جمع من الإلهيين من المتكلمين و الظاهريين من المحدثين، و استدلّوا على ذلك و ردّوا ما ذكر من البرهان بما لا يخلو عن تكلّف من غير طائل.
قال الماديون: إنّ الأبحاث العلمية على تقدّمها و بلوغها اليوم إلى غاية الدقّة في فحصها و تجسّسها لم تجد خاصة من الخواصّ البدنية إلّا وجدت علّتها المادية، و لم تجد أثرا روحيا لا يقبل الانطباق على قوانين المادة حتّى تحكم بسببها بوجود روح مجرّدة.
قالوا: و سلسلة الأعصاب تؤدّي الإدراكات إلى العضو المركزي، و هو الجزء الدماغي على التوالي و في نهاية السرعة، ففيه مجموعة متّحدة ذات وضع واحد لا يتميز أجزاؤها و لا يدرك بطلان بعضها و قيام الآخر مقامه، و هذا الواحد المتحصّل هو نفسنا التي نشاهدها و نحكي عنها ب «أنا».
فالذي نرى أنه غير جميع أعضائنا صحيح إلّا أنّه لا يثبت أنّه غير البدن و غير خواصّه، بل هو مجموعة متّحدة من جهة التوالي و التوارد لا نغفل عنه؛ فإن لازم الغفلة عنه على ما تبين بطلان الأعصاب و وقوفها عن أفعالها و هو الموت، و الذي نرى أنّه ثابت صحيح لكنه لا من جهة ثباته و عدم تغيّره في نفسه، بل الأمر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي الواردات الإدراكية و سرعة ورودها، كالحوض الذي يرد عليه الماء من جانب و يخرج من جانب بما يساويه و هو مملوء دائما، فما فيه من الماء يجده الحسّ واحدا ثابتا و هو بحسب الواقع لا واحد و لا ثابت، و كذا يجد عكس الإنسان أو الشجر أو غيرهما فيه واحدا ثابتا، و ليس واحدا ثابتا بل هو كثير متغير تدريجا بالجريان التدريجي الذي لأجزاء الماء فيه، و على هذا النحو وجود الثبات و الوحدة و الشخصية التي نرى في النفس.
قالوا: فالنفس التي يقام البرهان على تجرّدها من طريق المشاهدة الباطنية هي في الحقيقة مجموعة من خواصّ طبيعية، و هي الإدراكات العصبية التي هي نتائج حاصلة من التأثير و التأثير المتقابلين بين جزء المادة الخارجية و جزء المركّب العصبي، و وحدتها وحدة اجتماعية لا وحدة واقعية حقيقية.
أقول: أمّا قولهم: «إن الأبحاث العلمية المبتنية على الحسّ و التجربة لم تظفر في سيرها الدقيق بالروح و لا وجدت حكما من الأحكام غير قابل التعليل إلّا بها» فهو كلام حقّ لا ريب