الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٤٧ - ما معنى الطيب و الخبيث
فالمعنى الحقيقي للطيب هو ما تستلذ به النفس و تلائمه، و الخبيث ما يستنفر منه الطبع و يستقذره، و هذا هو الظاهر من الآية الكريمة.
و يظهر من صاحب جواهر الكلام رضى اللّه عنه أنّ الطيب قد يطلق على الحلال؛ لقوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ و يقابله إطلاق الخبيث على الحرام كقوله تعالى: وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ. و قد يطلق على الطاهر في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً. و على ما لا أذى فيه في النفس و البدن كما يقال: زمان طيّب، أي لا أذى فيه من برد أو حرّ.
و يقول في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ: إنّ المراد بالطيب ليس هو الحلال و الطاهر؛ ضرورة عدم الفائدة في الجواب منهما، بل و على الثاني الذي هو توقيفي من الشارع، بل في المسالك: و لا المعنى الثالث؛ لأنّ المأكول لا يوصف به، و إن كان فيه منع واضح. ثمّ قال (الشهيد الثاني رحمه اللّه): فتعيّن المراد ردّهم إلى ما يستطيبونه و لا يستخبثونه، فردّهم إلى عادتهم و ما هو مغرز في طبائعهم، و لأنّ ذلك هو المتبادر عرفا.
و المراد بالعرف الذي يرجع في الاستطابة عرف الأوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي و ذوي الاضطرار من جفاة العرب ...
بل ربّما نوقش أيضا بأنّه إن أراد إحالة التنفّر و الاشمئزاز إلى عرفهم فهو إنّما يتمّ لو علم أنّه معنى الخباثة، و هو بعد غير معلوم. و إن أراد إحالة الخباثة إلى غيرهم فلا عرف لها عند غير العرب؛ لأنّها ليست من لغتهم و لم يتعيّن مرادفها في لغتهم.
هذا مع أنّ طباع أكثر أهل المدن العظيمة أيضا مختلفة في التنفّر و عدمه جدّا، كسكّان بلاد الهند و الترك و الإفرنج و العجم و العرب في مطاعمهم و مشاربهم؛ و لذا خصّ بعرف العرب، و هو أيضا غير مفيد، لأنّ عرفهم في هذا الزمان غير معلوم ...
ثمّ يقول صاحب جواهر الكلام بعد ذلك ردّا على الشهيد:
إلّا أنّه لا يخفى عليك ما في الجميع؛ ضرورة كون المراد من الخبيث الذي هو عنوان التحريم هو ما يستخبثه الإنسان بطبعه السليم من آفة من حيث ذاته و ينفر منه و يشمئزّ منه، من غير فرق بين العرب و العجم و أهل المدن و البادية و زمان اليسار و غيره؛ إذ هو معنى قائم في المستخبث لا يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الناس، و يقابله الطيّب الذي هو كذلك[١].
[١] . جواهر الكلام ج ٣٦ ص ٢٣٧ و ما بعدها، أوّل كتاب الأطعمة و الأشربة.