الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٨٤ - المسألة التاسعة و الخمسون تفسير الاضطرار
(١٧٣) من سورة البقرة فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: غير باغ اللذّة و لا عاد سدّ الجوعة.
ثانيها: غير باغ في الإفراط و لا عاد في التقصير.
و ثالثها: غير باغ على إمام المسلمين و لا عاد بالمعصية طريق المحقين، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام ....
أقول: روى الشيخ رحمه اللّه في التهذيب عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن يحيى الخثعمي، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ... قال: «الباغي باغي الصيد و العادي السارق، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما كما على المسلمين، و ليس لهما أن يقصرا في الصلاة[١]».
أقول: السند صحيح على المشهور، و لا يبعد حمل الخبر على بيان بعض المصاديق، و أنّ المراد عدم وقوع النفس في الاضطرار بسوء الاختيار، كما يؤيّده قوله تعالى: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ. و من هنا يظهر الخلل في بعض ما ذكرناه في حدود الشريعة[٢].
مسألة: إنّ المأكولات المحرّمة تباح عند الاضطرار لغير العادي و الباغي و أمّا هما فهل يجب عليهما و على كلّ من اضطرّ بسوء اختياره الاجتناب عنهما حتّى الموت؟
نقول: هذا هو الظاهر من الآيات بالنظر الابتدائي بعد بقاء الحرمة، لكن حفظ النفس من أهمّ الأمور عند الشرع، و العقل أيضا يحكم بارتكاب أخفّ الضررين عند التزاحم.
نعم، يحرم على هذا المكلّف إلقاء نفسه في التهلكة و يحرم عليه أكل المحرمات[٣]، لكن حرمة الأكل أخفّ من حرمة الإلقاء فيها بمراتب، فيوجب العقل عليه أكل الميتة و إن استحقّ العقاب به، فافهم فإنّه دقيق.
إلى هنا تمّ ما يتعلّق بالجزءين من كتاب رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحّية، و للّه الحمد أوّلا و آخرا.
[١] . حدود الشريعة في محرّماتها ج ٩ ص ٩١ طبع مكتبة الصدوق. و فسر محشّي التهذيب السارق بقاطع الطريق و قال:
و قد فسّر في الآية بوجوه: منها: الخارج على إمام زمانه، و منها: الآخذ عن مضطر مثله، و ذلك غير جائز و منها: الطالب للميتة كما ذهب إليه جمع من الأصحاب.
[٢] . حدود الشريعة في محرّماتها ج ١ ص ٥٢، الطبعة الثانية.
[٣] . أقول: يمكن أن يقال: إنّ تلك الآيات الكريمة تدلّ بظاهرها على بقاء الحرمة في حقّ المضطر الباغي و العادي، فيضعف بها قول صاحب الكفاية و من وافقه و اخترناه من أنّ الامتناع بالاختيار و إن لا ينافي الاختيار عقابا، لكنه ينافيه تكليفا، فإنّ تكليف المضطر لغو لا أثر له، و يقوى قول من يقول: إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار تكليفا و عقابا، فتأمّل.