الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤١ - البحث الثالث في حقيقة الإنسان
عند القوة فهي واحدة ثابتة بسيطة في نفسها البتة، و لا يمكن أن يقال للأمر الذي هذا شأنه: إنّه مادي لفقده أوصاف المادة العامة.
فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الحجّة التي أوردها المادّيون من طريق الحسّ و التجربة إنّما ينتج عدم الوجدان، و قد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود- و هو مدّعاهم- مكان عدم الوجدان، و ما صوّروه لتقرير الشهود النفساني المثبت لوجود أمر واحد بسيط ثابت تصوير فاسد، لا يوافق الأصول المادية المسلّمة بالحسّ و التجربة و لا واقع الأمر الذي هو عليه في نفسه.
و أمّا ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد في أمر النفس، و هو أنه الحالة المتّحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحية من الإدراك و الإرادة و الرضا و الحبّ و غيرها المنتجة لحالة متّحدة مؤلّفة، فلا كلام لنا فيه؛ فإن لكلّ باحث أنّ يفترض موضوعا و يضعه موضوعا لبحثه، و إنّما الكلام فيه من حيث وجوده و عدمه في الخارج و الواقع مع قطع النظر عن فرض الفارض و عدمه، و هو البحث الفلسفي، كما هو ظاهر على الخبير بجهات البحث.
و قال قوم آخرون من نفاة تجرّد النفس من الملّيّين: إنّ الذي يتحصّل من الأمور المربوطة بحياة الإنسان كالتشريح و الفيزيولوجي: أنّ هذه الخواصّ الروحية الحيوية تستند إلى جراثيم الحياة و السلولات التي هي الأصول في حياة الإنسان و سائر الحيوان و تتعلّق بها، فالروح خاصة و أثر مخصوص فيها لكل واحد منها أرواح متعدّدة، فالذي يسمّيه الإنسان روحا لنفسه و يحكي عنه ب «أنا» مجموعة متكونة من أرواح غير محصورة على نعت الاتحاد و الاجتماع.
و من المعلوم أنّ هذه الكيفيات الحيوية و الخواصّ الروحية تبطل بموت الجراثيم و السلّولات و تفسد بفسادها، فلا معنى للروح الواحدة المجردة الباقية بعد فناء التركيب البدني، غاية الأمر أنّ الاصول المادية المكتشفة بالبحث العلمي لمّا لم تف بكشف رموز الحياة كان لنا أن نقول: إنّ العلل الطبيعية لا تفي بإيجاد الروح، فهي معلولة لموجود آخر وراء الطبيعة.
و أمّا الاستدلال على تجرّد النفس من جهة العقل محضا فشيء لا يقبله و لا تصغي إليه العلوم اليوم؛ لعدم اعتمادها على غير الحسّ و التجربة، هذا.
و أقول: و أنت خبير بأنّ جميع ما أوردناه على حجّة المادّيين وارد على هذه الحجّة المختلقة من غير فرق، و نزيدها أنها مخدوشة.
أوّلا: بأنّ عدم وفاء الأصول العلمية المكتشفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح و الحياة لا ينتج عدم وفائها أبدا، و لا عدم انتهاء هذه الخواص إلى العلل المادية في نفس الأمر على جهل منا،