محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٧٦ - الخطبة الثانية
والأمم:
إنه أسمى نداء، وأكرم دعوة، وأنجح طرح لقيادة الحياة، وصناعة الإنسان، ونضجه، وهداه وعلاه، نداءٌ ينطلق من أكبر حقيقة وأمتن قاعدة .. ينطلق من ألوهية الإله الحق الواحد الأحد الفرد الصمد .. الله الموجود في ذاته لذاته، لذاته بذاته، المستجمع لكل صفات الكمال والجمال والجلال ...
ثم من ربوبيته الصادقة الشاملة التي تقوم بها الكائنات، وتتدفق الحياة، وتستمر الموجودات، وتسير الأشياء إلى الغايات. هذا النداء يطلقه عبدٌ متواضع لربه، معترف بعبوديته له، وانقطاعه إليه، وتعلقه به، وما يتولاه ربه به من ربوبيته له، وتدبيره لأمره، وجميلِ صنعه به، مبتدئاً بذكر ربوبته له قبل غيره: عيسى عليه السلام قال: ربي وربكم ... لئلا تكون هناك شمة استكبار والتفات للأنا في ندائه فهو يقول ( (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)) وبذا يكون له عليّ أن أعبده وعليكم أن تعبدوه في مقام الاختيار عبادة تقتضيها العبودية الثابتة بالقهر والإضطرار. نحن عبيد لله قهرا، نحن مضطرون لا نملك أن نتفلت قيد أنملة من عبوديتنا لله، هذا في مجال التكوين. وجدنا بهذه العبودية، ونقوم بهذه العبودية، ونستمر بهذه العبودية، ويسري دمنا في شرايننا بهذه العبودية، وكل أثرٍ منا تسبق إرداتنا فيه عبوديتنا لله سبحانه وتعالى. تبقى هذه المساحة الاختيارية في حياتنا وهي محل الابتلاء، فهل نخضع لله سبحانه وتعالى لننجو، أم نستكبر لنهلك؟ على أن هذه المساحة ليست خارجة عن سلطان الله وتدبيره.
هذا النداء- نداء عيسى عليه السلام- إذا أطلقه الأنبياء وأوصياؤهم، وأطلقه المصلحون من الإسلاميين يطلقونه بعيداً عن فرض الذات، وعن أي هدف استكباري، وأي نَفَسٍ استعلائي، وعن روح الوصاية الذاتيه.
يطلقونه تذكيراً وإرشاداً وتبيلغاً للناس وخضوعاً لله، وإشفاقاً على عباده، وتحملًا