محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٤ - الخطبة الأولى
إخواننا من المؤمنين والمؤمنات أجمعين.
أما بعد- عباد الله- فإن الموت قدر الله الذي لا مفر منه ولا مهرب وإنه لآت، وكل نفس إلى فوات. وهو نقلة من دار إلى دار، ومن عالم إلى عالم، ومفارقة من روح لبدن، تعيش من بعده عذاب ما قدمت أو نعيم ما كسبت. والعبد لا يدري متى يأتي الأجل، وينقطع العمل، وليستقبل خيراً مقيماً أو شراً دائماً، فلتنظر نفس ما قدمت لغد، ولتنظر ماذا تريد أن تلقى عند موتها فتسعى إليه، وكما أن الحياة لم تكن إلا بقدرة الله وأذنه وحكمته. فالموت كذلك مظهر من مظاهر قدرة الله وفاعليته وتقديره وحكمته وهو لون آخر من الحياة، ونشاة جديدة في وجود هذا الإنسان ..
( (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ...)) ٦٠- ٦١ الواقعة. الموت ليس غلاباً لقدرة الله ولم يأت على الحي من نقص في قدرة الله، الموت بقدرته لا خارج قدرته، الموت بقدره وليس الموت بتقدير غيره، ليس أن قدرة الله عز وجل عاجزة عن أن توجد هذا الإنسان ليعيش أبدا، وليمتنع عليه الموت، إنما هو قدر الله سبحانه وتعالى ( (.. وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ..)) ليس القرار بيد الأسباب، ليس القرار قرار مغلوبية، إنما هو قرار غلبة من الله سبحانه وتعالى وتقدير منه.
( (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ)) ٦٠- ٦١ الواقعة. ( (قدرّنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم)) إنه داخل في إرادة الله عز وجل أن يموت هذا الإنسان ليأتي مكانه إنسان آخر من سنخه، لحكمة و غاية وتقدير دقيق عند الله سبحانه وتعالى، يموت الجيل الأخر، ليأتي الجيل الأول ليؤدي دوره في هذه الحياة ويدخل تجربة الحياة وتقام عليه الحجة في هذه الحياة، من أجل أن يحضر لآخرته، من أجل أن يبني نفسه، من خلال هذه التجربة المريرة التي يرتبط بها