محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٢ - الخطبة الثانية
يقول إلا ليعمم الحق، وتساومه الدنيا كل الدنيا على أن يحبس كلمة الحق حيث يجب أو يحسن أن تقال فلا تستطيع الدنيا كلها بمغرياتها وبتوعداتها أن تحبس كلمة الحق في فم أبي ذر، أبو ذر كلمة حق يوجهها صفعة قوية للاستبداد في المال للتساهل في إقامة حدود الله سبحانه وتعالى، لأي انحراف من أي نوع، أبو ذر المتزهد الحق، أبو ذر الذي عاش مثالًا للتقشف يأتي صوته هادراً قوياً مزمجرا، أمام التلاعب بالمال وهو لا يعشق المال ولا يرى له في نفسه بريقا، لكنه من منطلق وعيه الإيماني ورساليته الإسلامية يريد العدل ويعرف أمن الإيمان، وأن المجتمع الإيماني من ركائزه ومما يقوم عليه العدل في المال وتوزيع الثروة، صوت أبي ذر لا يفرق بين تضييع صلاة ليهب منكراً لذلك وبين اختلاس فلس واحد من ميزانية الدولة الإسلامية ليتحول إعصاراً في وجه السارق والمتحايل وإن كان الخليفة، توزيع المراكز وتوزيع المال والمحاباة على حساب دين الله وعلى حساب المستضعفين من عباد الله أمر يقض مضجع أبي ذر فلا يهدأ حتى تبلغ كلمته مسامع الدنيا وتنفذ قناة التاريخ لتدوي في كل أودية التاريخ في كل قمم التاريخ وكل وديانه وفي كل مساحاته وميادينه، ذاك هو أبو ذر وفي كل مؤمن فيه من أبي ذر نسبة من الإيمان، فيه قدر يساوي إيمانه من صراحة الحق وجرأة الحق على لسانه مما يملأ قلبه وجماله.
هذه ذكرى وهي تجعلنا لا نتوقف عن أمر بمعروف وعن نهي عن المنكر وأصعب منكر تنكره أن يكون من الصديق، وأصعب معروف تأمر به هو معروف ضيعه حبيب، ومن كانت له مكانة في قلبك، إن مواجهة العدو تحتاج إلى جرأة، تحتاج إلى رجولة، وفي مواجهة الصديق ما يتطلب جرأة أكبر ورجولة أكبر في كثير من الأحيان، وكم ضرب أمير المؤمنين (ع) مثلًا في هذا المجال فلم يكن الشجاع مع أعدائه أكثر من كونه شجاعاً مع أصدقائه وأهله وأحبته.
فتح كابل: