محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩ - الخطبة الأولى
يتمتعون بدنيا ولا دين، ولا ينتظرون إلا ساعة الرحيل إلى حساب عسير، وأهوال العظام، وحسرة تطول، وندم يبقى، وشقاء يمتد. إنهم من غرتهم الدنيا، وسخرت بهم من بعد أن اختلست منهم زهرة شبابهم ونضارة أعمارهم، وأذهبت بجلدهم في لذات أعقبت سقماً ووهناً وآلاماً وحزناً، وصارت بهم على باب المنايا ليتسلمهم المنون وهم وهنٌ لسوء ما قدموا، وقبيح ما كسبت أيديهم من قبل، لا يستنقذهم من عذاب الله مستنقذ، ولا يفكّ أسرهم في النار من شفيع من دون إذن الله الملك الحق القدير العزيز العظيم الجبّار.
فلتنظر نفسٌ ما قدمت لغد، ولتنظر نفسٌ ما هي مقدمةٌ عليه عند الله بعد قليل، ولن يُنقذ أحداً من أخذ الله إلا أن يكون محلًا لرضاه، ولا يمكن أن تشترى جنته إلا بطاعته، ولا قرب سبحانه بالتجافي عن أوليائه، والتداني من أعدائه. ولا يملك أحدٌ أن يعقب نفساً نفسا، ولا طرفة عين أخرى ليسوّف التوبة، ويتأخر بالتراجع عن الذنب. فالحزم الحزم، والمبادرة المبادرة للعودة عن السوء والرجوع إلى الجادّة، ولنستبق إلى صراط الله اليوم قبل الغد، والساعة قبل أختها، واللحظة قبل الأخرى. وكلّما طال زمن المعصية والبقاء على القبيحة صعب النهوض، وشق على النفس أن تقوم من سقطتها، وأن تغادر المنحدر السحيق. وإنه كلما تباعد بين الإنسان والحق بسوء ما يفعل كلما خفتت أنوارُ الهدى أمامه حتى لا يرى الطريق، ولا تعرف نفسه المخرج. فلنحذر عواقب السوء، والكبوات الطويلة التي يمتنع بعدها النهوض، وتأنس بها النفس مواطن القبح و مز الق الرذيلة والضلال فلا تريد أن تقوم، ومُنتظر المشيب وهو عمر الوهن، ومرحلة الانحطاط في القوى ليتوب ويُؤدب فاقد رشده، ظالم نفسه، باخسٌ خطه، جاهل بقدر ربّه، أللشيطان يوم شبابك وجلدك ونشاطك؟ أولربك الغني الكريم العظيم المتعال يوم وهنك ومشيبك وعجزك وكسلك؟ ألنراك يومٌ بيدك، وللجنّة يوم ليس لإحرازه من