محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٢ - الخطبة الأولى
فهناك موزون وهنا موزون وشتان بين هذين الموزونين قيمةً وتأثيراً على إنسانية الإنسان، ومصير الإنسان، وكلكم تعرفون أن هذا الجسد الذي تنصب عليه عنايتنا ليل نهار لابد له من زوال، أما الذات الإنسانية فهي التي تبقى وهي التي بها نحاسب وهي التي بها نجازى، وهي التي بها ندخل الجنة وهي التي بها ندخل النار. مقاييس الوزن للبدن صنجات من حجر، من معدن، أما مقاييس وزن الذات الإنسانية فهو العدل الإلهي، فهو العلم الحق المطابق بما جاء به الوحي عند الله سبحانه وتعالى، وما قضت به فطر العقول. الميزان هنا هو المحتوى الأولي الطاهر النقي لضمير الإنسان، لفطرة الإنسان، لما يقضي به العقل العملي- كما يسمونه- أو ما يتحدث لك به الضمير الإنساني وقت إفاقته داخل البصيرة.
الانتهال من المنهج الإلهي سبيل لتقييم الذوات الإنسانية:
أحكام الشريعة، مقررات العقيدة الحقة هي ميزان الذوات الإنسانية، أنظر كم لك من شعور بالله، بعظمة الله، بجمال الله، بجلال الله، انظر ما مدى تحليق نفسك تحليقاً إيمانياً بعيداً عن الأوهام، لا يتهافت مع فطر العقول ومع أوليات العلم، هذه المقاييس هي المقاييس التي توزن لها الذات الإنسانية، بلغة أخرى:
فلأنظر في نفسي كم تستطيع أن تصبر على الصدق، أن تستقيم مع الأمانة، أن تتحمل من عبء العبادة، أن تقف في مواقف الشدة من أجل الله، أن تضحي بالمال، أن تضحي في الوقت في سبيل الله. بهذا نستطيع أن نزن النفس. هناك وزنٌ من أجل الآخرة وهو الذي تتحدث عنه كلمة أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن أهم المهم هو أمر الآخرة:" تأتي نفوسٌ يوم الآخرة خفيفةً كالهباءة، ولا مستقر لها في جنة الله، وتأتي نفوسٌ مثقلةً بالإيمان، مليئة بمعرفة الله فهي شعاع ونور وطهر وصفاء ونقاء، فلا مستقر لهذه النفوس إلا الجنة، وجزاؤها عند الله رضوانه وهو أكبر جزاء.