محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١٠ - الخطبة الأولى
الفاحصة، وفي قبال ذلك كله قد ينطلق التقليد والمتابعة من رؤية مدروسةُ وتقدير دقيقٌ وموازنة موضوعية صائبة.
ولا بد من الاسترشاد مما ورد من نصوص الكتاب والسنة في هذا المجال، تبيّناً مما هو الموقف العملي في مسألة التقليد الذي لا يُرد عند من آمن بكتاب الله وسنة نبيّه والمعصومين من آله عليه وعليهم السلام.
نستطيع أن نقسم التقليد إلى: تقليد أعمى، وإلى تقليد علمي ..
التقليد الأعمى منه تقليدُ للقريب والصديق، تقول الآية الكريمة: ( (وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ)) (١٠٤) المائدة.
فهؤلاء قومٌ دعوا إلى الحق ليس من بعد ما أنزل الله حق، وليس من بعد أن يكون هذا المنزل من الله على رسوله حق، فإذا كان الرسول رسول الله لا يخطئ، كفى به أن يكون رسول الله، وإذا كان لا يخطئ فالكلمة كلمة الله، وإذا كان الحق ليس له من مصدر إلا المصدر الإلهي فإن هذا حقٌ بلا ريب ولا شك، فالدعوة إذن إلى الحق، وما هو المانع للقوم من الأخذ بهذه الدعوة؟ ... أن كان آباؤهم على شئٍ من الحق، ولماذا هذا الإتباع للآباء؟ .. لأنهم آباءٌ وحسب، افرضهم جهلة، افرضهم بغاةً، افرضهم منحرفين .. إلا لأنهم آباء فهم يتبعونهم. هذا تقليدٌ أعمى مرفوضٌ في الإسلام، في العقل عند العقلاء فيما ينبغي ..
( (... أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ)) ١٠٤ المائدة. لو كان آباؤهم يعلمون ويهتدون، ولم يأتِ ما هو أحق من قول آبائهم لكان التقليد غير مرفوض، إنما رفض هذا التقليد لأنه تقليدٌ للآباء وحسب، حتى على تقدير أن يكونوا غير مهتدين، أن يكونوا لا يعلمون شيئاً أن يكونوا منحرفين ..