شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٩٨
يعنى أن الإنسان الكامل ذو وجهين: وجه إلى الحق و هو هويته الباطنة التي هو بها حتى، و وجه إلى العالم و هو أنانيته الظاهرة التي هو بها خلق، فللانسان به الهوية و الأنانية، و ليس للحق بالإنسان الأنانية، إذ ليس له من حيث الهذية الخلقية أنا بالحقيقة، و المرد بأنا:
لفظة أنا، أي لا يطلق عليه هذه اللفظة من هذه الحيثية، فلهذا دخلت الفاء عليه مع كونه الضمير المرفوع المنفصل:
(و لكن في مظهره فنحن له كمثل أنا)
أي في الإنسان الكامل مظهره فنحن له كالإناء لما فيه، و لفظة في للتجريد، يعنى أنا مظهره كقوله تعالى- لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ- (و الله يقول الحق و هو يهدى السبيل).
(٦) فص حكمة حقية في كلمة إسحاقية
إنما خصت الكلمة الإسحاقية بالحكمة الحقية لتحقق رؤيا أبيه في حقه، فإن المعنى العلمي الكلى ينزل من أم الكتاب إلى عالم اللوح المحفوظ، و هو بمثابة القلب للعالم، و منه إلى عالم المثال فيتجسد فيه، ثم إلى عالم الحس فيتحقق في الشاهد و هو المرتبة الرابعة من الوجود النازل من العالم العلوي إلى العالم السفلى، و من الباطن إلى الظاهر، و من العلم إلى الكون. و الخيال من الإنسان هو عالم المثال المقيد، كما أن عالم المثال هو الخيال المطلق أي خيال العالم، فللخيال الإنسانى وجه إلى عالم المثال لأنه منه فهو متصل به، و وجه إلى النفس و البدن، فكلما انطبع فيه نقش من هذه الجهة السفلية و تمثلت فيه صورة كان ذلك محاكاة لهيئة نفسانية أو هيئة مزاجية، أو البخار يرتفع إلى مصعد الدماغ كما للمحرورين و أصحاب الماليخوليا فلا حقيقة له و يسمى أضغاث أحلام، و كلما انطبعت فيه صورة من الجهة العلوية، أي من عالم المثال أو من القلب النورانى الإنسانى فيتجسد فيه كان حقا سواء كان في النوم أو في اليقظة، فكان رؤيا صادقة أو وحيا غير محتاج إلى تعبير أو تأويل، لأن ما ينطبع من عالم المثال لا يكون إلا حقا لأنه من خزانة علم الحق بتوسط الملكوت السماوية فلا يمكن الخطأ فيه، و كذا ما ينعكس من القلب المنور بنور القدس، إلا أن تتصرف فيه القوة المتصرفة الإنسانية بالانتقال إلى صورة التشبيه و المناسب، فتحتاج الرؤيا إلى التعبير و الوحى إلى التأويل. و لما رشح الله تعالى إبراهيم عليه السلام لمقام النبوة، فكان جميع ما رآه في المنام من قبيل ما لا يحتاج إلى التعبير فلذلك جزم بذبح الولد و عزم عليه،
__________________________________________________
لذاته و عين ذاته كان تعينه لذاته فلا يمكن المجازاة من هذا الوجه (و لكن في مظهره) و في قوله في دون أنا إشارة إلى أن مظهره ليس الهيكل المحسوس بل مدبر هذا الهيكل و ملكوته (فنحن له كمثل أنا) أي كالظروف و قد تبين عدم الحلول اه بالى.