شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠٣
و عدم اهتدائهم، كقوله تعالى- لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها- الآية.
(اعلم أيدنا الله و إياك أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام قال لابنه- إِنِّي أَرى في الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ- و المنام حضرة الخيال فلم يعبرها، و كان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام، فصدق إبراهيم الرؤيا) أي لم يعبرها لما تعود به من الأخذ عن عالم المثال، فلما رقاه الله تعالى عن عالم المثال ليجعل قلبه محل الاستواء الرحمانى أخذ خياله المعنى من قلبه المجرد، و تصرفت القوة المتصرفة في تصويره فصورت معنى الكبش بصورة إسحاق عليه السلام لما ذكر من كونه الأصل، فلم يعبرها و صدقها في أن ذلك إسحاق، و كان ذلك عند الله الذبح العظيم، فلم يعط إبراهيم الحضرة حقها بالتعبير (ففداه ربه من وهم إبراهيم بالذبح العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند الله و هو لا يشعر، فالتجلى الصوري في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر، يدرك به ما أراد الله بتلك الصورة) و هو علم التعبير (ألا ترى كيف قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبى بكر في تعبير الرؤيا «أصبت بعضا و أخطأت بعضا، فسأله أبو بكر أن يعرّفه ما أصاب فيه و ما أخطأ، فلم يفعل صلى الله عليه و سلم») روى «أن رجلا أتى النبي عليه الصلاة و السلام فقال: إنى رأيت ظلة ينطف منها السمن و العسل، و أرى الناس يتكففون في أيديهم و المستكثر و المستقل، و أرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك يا رسول الله أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلا، فقال أبو بكر للنبي عليه الصلاة و السلام: بأبى أنت و الله لتدعنى فلأعبرها، فقال: عبرها، فقال: أما الظلة فظلة الإسلام، و أما ما ينطف من السمن و العسل فهو القرآن لينه و حلاوته، و أما المستكثر و المستقل فهو المستكثر من القرآن و المستقل منه، و أما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به بعدك آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر بعده فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر بعده فينقطع به ثم يوصل له فيعلو، فقال: حدثني يا رسول الله، أصبت أم أخطأت؟ فقال عليه الصلاة و السلام: أصبت بعضا و أخطأت بعضا، قال: أقسمت بأبى أنت يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت؟ فقال عليه الصلاة و السلام لا تقسم» هذا
__________________________________________________
(فلم يعبرها) فحمل ما رآه على ظاهره كما هو عادة الأنبياء، فظن أن الحق أمر بذبح ابنه فباشر لذبح إطاعة لأمر ربه اه (في صورة ابن إبراهيم) لمناسبة بينهما في الانقياد و التسليم اه (ففداه) عن ابنه ربه (من وهمه) من أن ما رآه ابنه و لا نداء في الحقيقة اه (لا يشعر) أن الذبح الذي أتى به عند قصده ذبح ابنه هو تعبير رؤياه عند الله، و وهم أن ذلك الكبش فداء عن ابنه، فبين الله لنا على وهم إبراهيم لا على الحقيقة التي هي تعبير رؤياه، فقال- وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ- اه بالى.