شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٨٥
و حينئذ لم يقف مع نظره العقلي و جوابه بلسان الذوق. و التحقيق أن العين الواحدة في الصورتين لها صلاحية قبول الأمرين بالاعتبارين، فلها حال كونها علة صلاحية كونها معلولا، و حال كونها معلولا صلاحية كونها علة، فهي في عينها جامعة للعلية و المعلولية و أحكامهما، فكانت علة بعليتها و معلولة بمعلوليتها، فلها بحسب الأحوال جميع هذه الاعتبارات من حيث عينها على السواء، و هكذا صورة الأمر في التجلي، فإن المتجلى و المتجلى له و التجلي و كون المتجلى متجليا و المتجلى له هو الحق الواحد بعينه المنعوت بجميع هذه الاعتبارات التي يتعقلها العقل، و الفرقان و الامتياز ليس إلا في العقل و الصور المتعلقة، و النسب المفروضة المتفرعة عن الحقيقة الواحدة، و هو الله الواحد الأحد ليس في الوجود إلا هو.
(و إذا كان الأمر في العلية بهذه المثابة فما ظنك باتساع النظر العقلي في غير هذا المضيق، فلا أعقل من الرسل صلوات الله عليهم و قد جاءوا بما جاءوا في الخبر عن الجناب الإلهي، فأثبتوا ما أثبته العقل) أي في طور العقل (و زادوا ما لا يستقل العقل بإدراكه و لا يخيله العقل رأسا و يقربه في التجلي الإلهي، فإذا خلا بعد التجلي بنفسه حار فيما رآه، فإن كان عبد رب رد العقل إليه، و إن كان عبد نظر رد الحق إلى حكمه، و هذا لا يكون إلا ما دام في هذه النشأة الدنيوية محجوبا عن نشأته الأخروية في الدنيا) يعنى هذه الحيرة لا تكون إلا إذا كان صاحبها في هذه النشأة الدنيوية محجوبا عن النشأة الأخروية، فإنه فيها مقيد أبدا بعين العقل مقيد للأمر بحسب تقيده فيسعى في قيد، فإذا أطلق تحير لتعوده بحكم القيد، فإن غلب حكم القيد حار عن الحق فأخذ بقيده، و إن غلب حكم الإطلاق حار عما تحيره و انحاز إلى الحق و أذعن له الحق فراعى حكم الطرفين فكان من الكمل، و إن بقي في الحيرة كان من الوله، و أما الكمل فهم خرجوا عن النشأة الدنيوية باطنا و إن كانوا فيها ظاهرا (فإن العارفين يظهرون هنا كأنهم في الصورة الدنيوية لما يجرى عليهم من أحكامها، و الله تعالى قد حولهم في بواطنهم في النشأة الأخروية لا بد من ذلك، فهم بالصورة مجهولون إلا لمن كشف الله عين بصيرته فأدرك، فما من عارف باللّه من حيث التجلي الإلهي إلا و هو على النشأة الآخرة قد حشر في دنياه و نشر من قبره، فهو يرى ما لا يرون و يشهد ما لا يشهدون عناية من الله ببعض عباده في ذلك) قد حشر أي جمع ليوم الجمع فشاهد أحوال القيامة و نشر من قبره أحيا بالحياة الأخروية عن قبر تقيده، و انغماسه في غواشيه بالمتجرد عن ملابسته.
(فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية الإدريسية الذي أنشأه الله تعالى نشأتين فكان نبيا قبل نوح، ثم رفع و نزل رسولا بعد ذلك، فجمع الله له بين المنزلتين فلينزل
__________________________________________________
فعجل لهم ما أجل لغيرهم، فأنشأ الله العارفين نشأتين في حال حياتهم دنيوية و أخروية بالى.