شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٨
ذوق و شهود (فلا يزال الحق من هذه الحيثية) أي من هذا الوجه (غير معلوم) أبدا (علم ذوق و شهود لأنه لا قدم) و لا سابقة (للحادث في ذلك) أي في الوجوب الذاتي البتة.
قوله (فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا، و لهذا قال لإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ) لما ذكر أن الصفتين المتقابلتين يد الحق اللتان توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل، و كان قد مثل بصفات الله تعالى متقابلة مشتركة في أنها مؤثرة فكانت أيادى معطية متقابلة، و قد أومأ إلى صفات العالم متقابلة مشتركة في أنها انفعالية، فكانت أيادى قابلة آخذة و سوانا فيها مع العالم فأراد أن يثبت لنا التشريف من الله بالجمع بين يديه المتقابلتين في الإعطاء و القبول أيضا، فإن للَّه تعالى يدين متقابلات معطية كالرضا و الغضب، و متقابلات آخذة قابلة ألا ترى إلى قوله تعالى- أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ- و لهذا وبخ إبليس و ذمه على ترك السجود لآدم، حيث رأى منه صفات العالم من الانفعالات القابلة كالخوف و الرجاء، و لم ير الصفات الفعلية و لم يعرف أن القابلة أيضا صفات الله فإنها من الاستعداد الفائض عن الفيض الأقدس، و قال (و ما هو إلا عين جمعه بين الصورتين صورة العالم و صورة الحق و هما يد الحق) يعنى كما أن المتقابلات المعطية يد الحق، فالمعطية و القابلة و الآخذة أيضا يدان متقابلتان للحق، فلو لم يكن لآدم تلك القوابل لم يعرف الحق بجميع الأسماء و لم يعبده بها (و إبليس) لم يعرف ذلك لأنه (جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعية) فما عرف إلا ما هو من العالم فاستكبر و تعزز لاحتجابه عن معرفة آدم إذ لم يكن له جمعية فلم يعرف منه إلا ما هو من جنس نشأته، فاستوهنه و نقص به و ما عرف أن الذي حسبه نقصانا كان عين كماله كما قال (و لهذا كان آدم خليفة، فإن لم يكن) أي آدم ظاهرا (بصورة من استخلفه) أي الحق (فيما استخلفه فيه) من العالم و أجزائه (فما هو خليفة) أي لم يكن خليفة لأن الخليفة يجب أن يعلم مراد المستخلف و ينفذ أمره فلو لم يعرفه بجميع صفاته لم يمكنه إنفاذ أمره (و إن لم يكن فيه جميع ما في العالم) من الأسماء و الصفات (و ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها) يعنى أجزاء العالم المستخلف هو عليها
__________________________________________________
من هذه الحيثية (فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا) على غيره لا لشرفه في حد ذاته كما أن مكة مشرفة بتشريفه و إلا فهو واد كسائر الأودية فلا يكون جمعية الإنسان الكامل علة تامة لجمعية اليدين بل لا بد في التشريف من تشريف الحق و لهذا أي لكون الجمع للتشريف (قال لإبليس) لكونه مخلوقا بيد واحدة بالى.
(و ما هو) أي و ليس جمع اليدين لآدم (إلا عين جمعه) لآدم (بين الصورتين صورة العالم) و هي الحقائق الكونية (و صورة الحق) و هي الحقائق الإلهية من الأسماء و الصفات فآدم عبارة عن الصورتين و اليدين (و هما) أي الصورتان (يد الحق) باعتبار اتحاد الظاهر و المظهر، إذ بهما يتصرف الحق فما أمر الملائكة إلا لأن تسجد للَّه تعالى، فكانت سجدتهم للَّه و قبلتهم آدم و أبى إبليس لعدم علمه (و إبليس جزء من العالم) فكان جزءا من جزء آدم (لم يحصل له هذه الجمعية) التي لآدم بالى.