شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٧٦
و هو أعلى بذاته مطلقا لا بالنسبة إلى غيره، فإن كل علو ليس إلا له و كل ما ينسب إليه علوه، فبقدر ما يتجلى فيه باسمه العلى ينسب إليه فلا شريك له في أصل العلو، فلا علوية إضافة له و كل ما علا فباسمه علا (و من أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات، أعنى الإنسان الكامل، و ما نسب إليه العلو إلا بالتبعية، إما إلى المكان و إما إلى المكانة و هي المنزلة، فما كان علوه لذاته فهو العلى بعلو المكان و بعلو المكانة فالعلو لهما) بيان أن العلو ليس إلا له فإن الإنسان الكامل أعلى الموجودات و ما نسب إليه العلو إلا بتبعية المكان و المكانة فعلوه بسبب علوهما، و إذا لم يكن لا على الموجودات علو ذاتى فكيف لغيره فعلم أن العلو الذي وصف به المكان و المكانة في قوله مَكاناً عَلِيًّا و في كونهم أعلين بسبب معية الله ليس لهما بالذات فلا علو لمقيد أصلا إلا بالحق الذي له مطلق العلو الذاتي و من ثم قال (فعلو المكان- ك الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى- و هو أعلى الأماكن، و علو المكانة- كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ- و إليه يرجع الأمر كله- أَ إِلهٌ مَعَ الله-) يعنى أن أعلى الأماكن علوه المكاني، إنما كان بتجلى اسمه الرحمن له و هو معنى استوائه عليه، و أما اختصاص علو المكانة به ففي قوله- كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ- أي حقيقته التي بها وجد ما وجد و هو الوجود الحق المطلق، فكل شيء في حد ذاته فان و هو الباقي بذاته و الكل يرجع إليه بالفناء فيه، و ليس معه شيء فلا وجود لغيره فلا علو فلا وجه إلا واحد متعال بذاته، ثم إنه نفى العلو عن كل متعين بخصوصه فقال (و لما قال تعالى- وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا- فجعل عليا نعتا للمكان- وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً- فهذا علو المكانة، و قال في الملائكة- أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ- فجعل العلو للملائكة فلو كان لكونهم ملائكة لدخل الملائكة كلهم في هذا العلو، فلما لم يعم مع اشتراكهم
__________________________________________________
(فهو العلى يعلو المكان) أي كما أنه ينسب إليه العلو الذاتي من غير إضافة و تبعية إلى شيء آخر، كذلك ينسب إليه العلو بتبعية المكان (و علو المكانة) فيقال: و هو العلى بعلو المكان و المكانة، كما يقال: هو العلى بالعلو الذاتي، و معنى علوه بهما كونه تعالى تابعا لهما في إظهار هذا الاسم فيهما ليكونا دليلين على علوه الذاتي، فعلو المكان دليل على علوه الذاتي من حيث الظاهر، فنستدل به بأنه ما كان عليا في الظاهر إلا و هو أثر من علوه الذاتي، فهو على بالذات على كل ظاهر، و علو المرتبة دليل على أنه لا على في الباطن من المراتب إلا و هو على بعلوه، فالعلو للممكنات اختصاص من الله، يعطيه الله لمن يشاء لإظهار كمالات هذا الاسم منه لا من مقتضيات الطبيعة (فالعلو لهما) من حيث الظهور و إن كان للَّه بحسب الذات، و معنى اتباع الحق في العلو إليهما توجهه إليهما في إظهار هذا الاسم، فبهذا المعنى يجوز أن ينسب إليه العلو المكاني و إليه أشار بقوله- (فما كان علوه) و لم يقل فهو العلى بالمكان لأن فيه إثبات الجلوس تعالى عن ذلك، فلا يتعالى عن علو المكان بل يتعالى عن نفس المكان اه بالى.
و لما كان علو المكانة ثابتا للَّه بالنصوص، كذلك في حق المخلوق ثابت بالنصوص، فشرع إلى بيانه بقوله (و لما قال و رفعناه إلخ فجعل عليا نعتا للمكان) علمنا منه أن العلو ليس ذاتيا للمكان، لأنه لما لم يعم مع اشتراك الأماكن في حد المكان علمنا أن علوه لمرتبة عند الله لا لمكانية المكان و إلا لكان لكل مكان، فعلو فلك الشمس هي قطبية الأفلاك، فالعلو لمرتبة القطبية أصالة و المكان تبعا اه بالى.