شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٢٢
صادق الوعد (فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز- فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ- لم يقل و وعيده، بل قال- وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ- فوعد التجاوز (مع أنه توعد على ذلك، فأثنى على إسماعيل بأنه صادق الوعد، و قد زال الإمكان في حق الحق) يعنى لما أثنى الله تعالى على إسماعيل بصدق الوعد توجه الثناء و الحضرة الإلهية طالبة للثناء، فلزم أن يكون الله صادق الوعد على سبيل الوجوب لا الإمكان (لما فيه من طلب المرجح) أي لما في الإمكان من طلب المرجح، و لا يتوقف صفة ما من صفات الله على شيء فتحقق وجوب صدق وعده، و قد وعد التجاوز لكونه من جملة وعده:
(فلم يبق إلا صادق الوعد وحده)
أي لا صادق الوعيد لوجوب صدق وعده بالتجاوز، و عدم تنفيذ الوعيد لقوله- وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ- أي آيات الوعيد- إِلَّا تَخْوِيفاً- و لعلهم يتقون و لأن الثناء لا يتوجه بالوعيد و الحضرة الإلهية طالبة للثناء كما ذكر، فثبت أن الإيعاد إنما يكون للتخويف لإيقاع الوعيد الزائل إمكان تحقيقه بتحقق تحقيق الوعد بالتجاوز و المنافاة، و تحقيق الوعد للثناء
(و ما لوعيد الحق عين تعاين و إن دخلوا دار الشقاء فإنهم
على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد و الأمر واحد
و بينهما عند التجلي تباين يسمى عذابا من عذوبة طعمه
و ذاك له كالقشر و القشر صاين)
__________________________________________________
الوعد و النجا و زمن الحق في حق كل عبد على حسب ما يليق بذواتهم حتى يحصل له الثناء المحمود من كل عبد على حسب مراتبهم اه (فيثنى عليها بصدق الوعد) أي لما طلب الذات الإلهية بذاته الثناء المحمود لا يثنى عليها إلا بصدق وعده و هو (بالتجاوز) عن سيئاتهم يدل على ذلك قوله تعالى- فَلا تَحْسَبَنَّ الله- اه (و لم يقل و وعيده) لعدم الثناء المحمود بذلك مع أنه اه بالى.
(مع أنه توعد ذلك) أي على الشيء، فدلت هذه الآية على أن الله يطلب بذاته من عباده الثناء المحمود، و أن ذلك لا يحصل إلا بصدق وعده عباده و بالتجاوز عن سيئاتهم، فعم التجاوز للخالدين في النار أبدا بحصول النعيم الممتزج بالعذاب لهم فيثنون على الله بذلك، فعم الثناء المطلوب (فأثنى على إسماعيل) فالثناء المحمود سواء كان من العبد على الحق أو من الحق إلى العبد لا يكون إلا بصدق الوعد (و قد زال الإمكان) أي زال بدلالة النص إمكان وقوع الوعيد على الأبد (في حق الحق لما فيه) أي في وقوع الإمكان (من طلب مرجح) و طلب المرجح لوقوع الوعيد هو الذنب، و ذلك يرتفع بوعده تعالى بالتجاوز، فإن وعده واجب الوقوع في كل فزال وقوع الوعيد وقت وقوع التجاوز، و التجاوز في حق الكفار حصول الرحمة الممتزجة بألم النار بحيث لا ينقص عن الألم الأول، فإذا زال صدق الوعيد.
(فلم يبق إلا صادق الوعد وحده عين تعاين) على البناء للمفعول أي شخص تعاين العذاب الخالص عن الرحمة على الأبد (نعيم مباين) خبر مبتدإ محذوف (نعيم) منصوب بمباين (جنان الخلد فالأمر) أي نعيم جنان الخلد و نعيم دار الشقاء واحد (و بينهما) بين النعيمين (عند التجلي) عند الظهور (تباين) لأن نعيم الجنان رحمة خالصة عن العذاب، و نعيم دار الشقاء رحمة ممتزجة لا تخلو عن العذاب أصلا، فكانا عند التحقيق واحدا داخلا في حد النعمة و متباينان عند التجلي (يسمى) نعيم دار الشقاء (عذابا من عذوبة طعمه) لأهله، يعنى كما أن العذاب الاصطلاحي متحقق في الكفار في دار جهنم كذلك العذاب اللغوي و هو اللذة، فكانوا جامعين بينهما (و ذاك) أي عذابهم. (له) أي لنعيمهم (كالقشر و القشر صاين) أي حافظ اليه، فلا يزال العذاب صاينا للبه و هو