شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٥٢
قوله (إلا أن بعض اهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن الله لما ثبت عندهم أنه فعال لما يشاء جوزوا على الله ما يناقض الحكمة، و ما هو الأمر عليه في نفسه) استثناء منقطع من الذين يعرفون استعدادهم مجملا و إلا بمعنى لكن يعنى أن الذين يعرفون استعدادهم مفصلا يعرفون قبولهم لكل ما اطلعوا عليه من استعدادهم بإعلام الله تعالى إياهم، أو بكشف أعيانهم عليه حتى يطلعوا على أحوالهم المتجددة عليهم إلى ما يتناهى، فهم لا يغلطون في علومهم أصلا، و كذلك الذين لا يعرفون استعدادهم إلا من قبولهم، فإنهم ما لم يقبلوا شيئا لم يعرفوا أن ذلك كان في استعدادهم أن يغلطوا بعد القبول، فإنهم يستدلون بالواقع لكن الذين يعرفون استعدادهم مجملا قد يغلطون في التفاصيل كبعض أهل النظر من المتكلمين، فإنهم قد عرفوا من استعدادهم أنهم يقبلون العلوم المعقولة على الإجمالى، لكنهم لضعف عقولهم و عدم كشفهم لعدم ارتياضهم و تصفيتهم، لما علموا أن الله تعالى فعال لما يشاء، و أنه على كل شيء قدير، جوزوا عليه القدرة على الممتنعات كإيجاد المثل و إعدام الوجود و إيجاد العدم، و أمثال ذلك، و توهموا أنه تنزيه عن العجز و ذلك لعدم معرفة الحقائق و تمييز الممكن من الممتنع، و قصور أنفسهم عن معنى المشيئة، و ابتنائها على الحكمة الإلهية الحقية (و لهذا) أي و لضعف عقولهم و تجويزهم على الله ما يناقض الحكمة الإلهية و ما هو الأمر عليه في نفسه (عدل بعض النظار إلى نفى الإمكان و إثبات الوجوب بالذات و بالغير) و ذلك لقصور نظرهم عن الحقائق العقلية و قصرهم الموجودات على ما هو في الخارج، فإن ما هو موجود في الخارج محصور في الواجب بالذات و الواجب بالغير لأن ما لم يجب لم يوجد (و المحقق) و هو الملاحظ للحقائق في نفس الأمر، أي العالم العقلي مع قطع النظر عن وجودها الخارجي (يثبت الإمكان و يعرف حضرته، و الممكن ما هو الممكن و من أين هو ممكن، و هو بعينه واجب الوجود بالغير) فإنه إما أن تقتضي الحقيقة الوجود بذاتها أو لا تقتضي، و الأول الواجب لذاته، و الثاني إما أن يقتضي العدم لذاته و هو الممتنع لذاته، و إما أن لا يقتضي شيئا منهما و هو الممكن لذاته، فالممكن حضرة العقل قبل الوجود الخارجي من حيث هو هو كالسواد مثلا، فإن عينه في العقل لا يقتضي الوجود و العدم، و أما في الخارج فإنه لا ينفك عن وجود السبب و عدمه فإنه لا واسطة بينهما، فإن كان السبب التام موجودا وجب وجوده
__________________________________________________
(و لهذا) أي و لأجل أن عندهم أن الله فعال مطلقا كيف يشاء (عدل بعض النظار) لئلا يلزمهم جواز ما لا يليق إلى الله على تقدير ثبوت الإمكان، فلم يجوز هذا البعض على الله ما جوز ذلك البعض، لعدم لزوم ذلك على تقدير نفى الإمكان في زعمهم (و إثبات الوجوب بالذات و بالغير) و ما عرفوا الإمكان و الوجوب بالغير فإنه بعينه الإمكان اه بالى.
لأن مراتب الوجود دورية فكما أن شيئا الذي كان أول موجود من سلسلة آدم، و كان محلا للتجليات الذاتية و العطايا الوهبية ينبغي أن يكون آخر مولود أيضا، كذلك لتتم الدائرة بانطباق آخرها على أولها اه جامى.