شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٦٦
قوله (- وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً- لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية- أَدْعُوا إِلَى الله- فهذا عين المكر- عَلى بَصِيرَةٍ-) معناه أن الدعوة إلى الله دعوة منه إليه لأن الله عين المدعو و الداعي و البداية و الغاية لكونه عين كل شيء فهو مكر بالمدعو لأن المدعو مع الله فكيف يدعى إلى الله فقابلوا مكر الداعي بمكر أعظم من مكره فقالوا- وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً- فإنهم إذا تركوهم، فقد تركوا الحق و جهلوه بقدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه و يجهله من يجهله، فهم مقرون بما يدعو الداعي إليه، و في صورة الإنكار مجيبون دعوته في صورة الرد من حيث لا يشعرون، فإن الدعوة فرقان و هم في القرآن، فكأنهم مع كفرهم يقولون قد أتينا الله و نحن معه فإن المدعو معه عين المدعو إليه في شهود المكاشف و غيره في اعتقاد غير المكاشف، فعندهم أنه لو أجابوه ظاهرا لتركوا الحق إلى الباطل فلذلك كان مكرهم أكبر من مكره، فقوله ادعوا إلى الله عين المكر على بصيرة أي على علم بأن الدعوة منه إليه (فنبه عليه السلام أن الأمر له كله) و أنه يدعو بأمر الله و المدعو يجيبه بالفعل و أنه مطيع بما أمر به واقف مع ما خلق له و أريد منه تحت حكم قاهر و سلطنة أمر باهر و هو معنى قوله (فأجابوه مكرا كما دعاهم) على ما ذكر آنفا لكنه يعلم أن صلاح المستعدين المجيبين في قبول الدعوة من حيث أنهم وقعوا في غاية التفرقة و الحجاب و تعمقوا في أقاصى عالم الإمكان فلو أجابوا لخرجوا من التفرقة إلى الجمع، و خلصوا من مهاوي الإمكان إلى ذرى الجمع، و بلغوا كمالهم الجمعى الذي منه يبدأ الأمر و إليه عاد، و لهذا قال (فجاء المحمدي و علم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته) لأن الهوية الأحدية مع الكل سواء (و إنما هي من حيث أسماؤه) فيدعون من الاسم الخافض إلى الرافع و من اسم المنتقم إلى الرحيم و من اسم المضل إلى الهادي (فقال تعالى- يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً- فجاء بحرف الغاية و قرنها بالاسم) ليعلم أن الرحمن اسم شامل لجميع الأسماء فيكون العالم تحت إحاطته، إذ لا فرق بينه و بين اسم الله، كما قال- قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى و كل طائفة من أهل العالم تحت ربوبية اسم من أسمائه و من كان تحت ربوبية اسم كان عبدا لذلك الاسم، فيدعوهم رسول الله من تفرقة تلك الأسماء إلى حضرة جمع اسم الرحمن أو اسم الله و هي الدعوة على بصيرة، لأنه تحصين من رق الآلهة المتشاكسة إلى عبودية الإله الواحد، كما قال تعالى- ضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ- و اسم الرحمن يحكم على عباده بأن يكونوا متقين و يوجب عليهم التقوى، و هو على معنى قوله
__________________________________________________
(ما عدم من البداية) و هو ما يعبدونه من الأصنام إذ لا ينكر أحد وجود الحق و ربوبيته، و إنما وقع الغلط في تعيينه و إضافة ربوبيته فبعضهم أضافها إلى أنفسهم و بعضهم إلى الأصنام أو غير ذلك، و الأنبياء يدعون قومهم من هؤلاء و هي البداية فلا عدم الحق من هؤلاء اه بالى.