شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٣٨
فراعى الدرجات التي للحق في قوله- رَفِيعُ الدَّرَجاتِ- فقدم درجة المتنفس الذي هو اسم الله الرحمن المستوي على العرش، و بهذا الاستواء وصفه بقوله- ذُو الْعَرْشِ- و لما كانت الأسماء نسبا ذاتية موقوفة على المسمى غير أو سوى و سمت بالعبدانية، فإنها من الحضرة الإمكانية لتوقف وجودها على وجود الغير فراعى أولا طرف العبدانية في نفسه الشريفة التي هي النسمة المباركة و مظهر الاسم الرحمن، ثم عند ترقبه في الدرجات حتى بلغ مبلغ ما أعده الله له من الكمال على ما ذكر قال «أنا سيد ولد آدم و لا فخر» و ذلك عند شمول رحمته للكل، و حين خوطب- وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ- فإن الرحمن الذي هو مظهره عام الفيض بالنسبة إلى الكل فصح قوله: لولاك لما خلقت الأفلاك، فإنها من كريم أنفاسه المذكورة (فلا يبقى فيمن حوى عليه العرش من لا تصيبه الرحمة الإلهية، و هو قوله تعالى- وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- و العرش وسع كل شيء و المستوي عليه الرحمن، فبحقيقته يكون سريان الرحمة في العالم كما قد بيناه في غير موضع من هذا الكتاب و من الفتوح المكي، و قد جعل الطيب تعالى في هذا الالتحام النكاحى في براءة عائشة رضى الله عنها فقال- الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ- فجعل روائحهم طيبة لأن القول نفس، و هو عين الرائحة فيخرج بالطيب و بالخبيث على حسب ما يظهر به في صورة النطق، فمن حيث هو إلهى بالأصالة كله طيب فهو طيب، و من حيث ما يحمد و يذم فهو طيب و خبيث) قوله: و جعل الطيب:
أي استعمل تعالى في براءة عائشة فجعل الطيب المحض المخصوص بالالتحام النكاحى حاصلا في براءتها، على أن قوله في هذا الالتحام صفة للطيب، و قوله في براءة مفعول ثان لجعل: أي جعل الله الطيب الواقع في هذا الالتحام النكاحى كائنا في براءتها، لأنه تعالى خص الطيبين بالطيبات في الالتحام النكاحى و الطيبات بالطيبين، و كذا في الخبيثين و الخبيثات، و لا شك أنه صلى الله عليه و سلم أطيب الطيبين فلزم طيب من اختص به في هذا الالتحام، و انتفاء الخبث عنها بشهادة الله تعالى و براءتها، فجعل دولتهم طيبة فتكون روائحهم طيبة و تكون أقوالهم طيبة، لأن القول نفس و النفس عين الرائحة، فإنه نكهة فتكون أفعالهم طيبة لأن الأصل الطيب لا يصدر عنه إلا الطيب- وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً- فالطيب و الخبث صفتان متقابلتان عارضتان للنفس بحسب المحل فالنفس من
حيث هو نفس أمر إلهى بالأصالة فيكون طيبا بالذات لكنه بحسب المحل الخبيث قد يحصل هيئة طيبة فيصير أطيب، فترتب المدح و الذم على النفس بحسب هاتين الهيئتين في النطق، ألا يرى أن نفس النائم لا يحمد و لا يذم، و هو طيب في نفسه إما بحسب صورة النطق فمنه
__________________________________________________
و المستوي عليه الرحمن فكان العرش مظهر الرحمن، يظهر منه فيض الرحمن على ما تحته من الموجودات، فبحقيقته: أي بحقيقة اسم الرحمن يكون سريان الرحمة في العالم بالى.