شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣١٧
في المعرفة الإلهية حيث قال- رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ- إيماء إلى حقيقة بسيطة لا يمكن تعريفها إلا بالنسب و الإضافات، و أكمل الرسوم له و أتمها نسبته بالربوبية إلى العالم كله إن كنتم من أهل الإيقان فموقنون حقيقة من حيث لا يعرفها إلا هو، و من حيث تعاريفها الخارجية أي بالنسب الذاتية لا يكون أتم من هذا، فإذا أصاب في الجواب (أظهر فرعون إبقاء لمنصبه أن موسى ما أجاب على سؤاله) حيث قال لمن حوله- أَ لا تَسْتَمِعُونَ- يعنى أنه ما أجاب بالحد الذي هو حق السؤال بما (فيتبين عند الحاضرين لقصور فهمهم أن فرعون أعلم من موسى، و لهذا لما قال له في الجواب- ما ينبغي- و هو في الظاهر غير جواب على ما سئل عنه، و قد علم فرعون أنه لا يجيبه إلا بذلك) فإن ذلك حق الجواب و عين الصواب، و قد عرفه قبل السؤال و علمه أنه لا يقول إلا حقا فلذلك جعل السؤال محتمل الوجهين (فقال لأصحابه- إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ- أي مستور عنه علم ما سألته عنه إذ لا يتصور أن يعلم أصلا) لجنونه و ستر عقله (فالسؤال صحيح فإن السؤال عن الماهية سؤال عن حقيقة المطلوب، و لا بد أن يكون على حقيقة في نفسه، و أما الذين جعلوا الحدود مركبة من جنس و فصل فذلك في كل ما يقع فيه الاشتراك، و من لا جنس له لا يلزم أن لا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره) فإنه لا شيء إلا و له حقيقة هو بها هو لا يكون غيره على تلك الحقيقة (فالسؤال صحيح على مذهب أهل الحق و العلم الصحيح و العقل السليم) ليس كما زعم من لا دراية له في العلوم أن من لا حد له لا يسأل بما (فالجواب عنه لا يكون إلا بما أجاب به موسى) كما ذكر (و هاهنا سر كبير فإنه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد الذاتي فجعل الحد الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم، أو ما ظهر فيه من صور العالم فكأنه قال له في جواب قوله- وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ- قال الذي يظهر فيه صور العالمين) أي بالمربوبية (من علو و هو السماء، و سفل و هو الأرض- إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ- أو يظهر هو بها) أي بالربوبية حق التركيب أن يقال الذي يظهر فيه من غير لفظة قال ليكون مقولا لقال له لكن لما وسط بين قال و مقوله في جواب قوله- وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ- كرر قال لطول الكلام.
(فلما قال فرعون لأصحابه- إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ- كما قلنا في معنى كونه مجنونا زاد موسى في البيان ليعلم فرعون رتبته في العلم الإلهي لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك فقال- رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ- فجاء بما يظهر و يستر، و هو الظاهر و الباطن و ما بينهما، و هو قوله- وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- أي بما ظهر من عالم الأجسام و الخلق، و ما بطن من عالم الأرواح و الأمر، و ما بين الظاهر و الباطن من التعينات و الشؤون الجامعة بين الأرواح و الأجسام، فإن المشرق للظهور و المغرب للبطون، و هو الحق الظاهر المتعين بجميع ما ظهر بإشراق نوره و إطلاق ظهوره، و هو الباطن المتعين بجميع ما بطن في غيب عينه و عين حضوره